خيطٌ في ثوب الحياة

|

خيطٌ في ثوب الحياة؛ رسالةٌ أخرى تنسلُّ من عتمةِ البرزخ، لكنّها هذه المرّة أكثر التصاقًا بندم الإنسان وضعفه، كأنّ الكلماتِ كُتبت بخيطٍ مرتجفٍ من روحٍ أدركت متأخرةً قيمةَ الصلاة، والذِّكر، والعمل الصالح

دونَ أنْ أعصِر أفكارَكَ بالمُقدّماتِ، سأبدأ:

مرحبًا سيد (ح)، قبل ترتيل السطور دعني أنفُضْ ثوبَ عُمري الممتلئَ بالتراب، وأقوم بالبحث عن مرآة كي أضعَ ما يُخفي التجاعيدَ التي رَمَتْها على قميص ملامحي الأيامُ.

وضعتُ يدي على رأسي كي أُرَتِّبَ خصلاتِ شعري المُتناثرة، لكي أصنع مظهرًا يليق بمقامكَ، ولكن للأسف لم أجد غيرَ جُمجُمةٍ تسرَّب منها الشَّعرُ دون سابقِ إنذار!

هل تعلم؟ آلمني الأمر في البداية، ولكن حين فكّرت بدقّة علمتُ بأنه شيءٌ مريح، فمن أين لي مشطٌ في هذا المكان!

آه يا سيد (ح)! حتى الثياب هنا شحيحة، لذلك كلما رتَّبتُ موضعَ جلستي انشقَّ ثوبي من أحد الجِهات. لذلك إن وجدتَ خيطًا تسرَّبَ منه على وريد الورقة، لا تجعل الشفقة تتسرَّب إلى ملامحكَ… هل تعلم يا عزيزي (ح)؟ الوقت هنا عقيمٌ جدًا، لذلك لا أعلم التوقيتَ بكل دقّة، ولن أكتب لكَ مساءَ الخير، أو حتى صباحًا. أنا لا أسكن عالمَكَ، وأنتَ لا تسكن عالمي. ثَمّةَ شيءٌ غريبٌ يتسرَّب من أحشاء الصمت، ولا أجدُ طفلًا يُتقن الكلام.

صديقي (ح)، حاولتُ البحثَ عن دورةِ مياه لكي أُصلّي، لا يفرّق أيُّ فرضٍ من الخمسة، المهمُّ رغبتي الكبيرةُ في الصلاة. المصيبةُ يا عزيزي أني لم أجد ماءً ولا ترابًا حتى أتيمَّم، وبقيتُ دون صلاة!

يا للخيبةِ التي تسكنني! لذلك أرجوكَ صَلِّ كثيرًا دون توقّف، ولو سمحتْ لكَ الدقائقُ بأن تبقى عالقًا على كاهل الأرض، إياكَ والتراجُع. أنا الآن أعرفُ قيمةَ كلِّ هذه الفروض التي فرّطتُ بها، لا تكُنْ مثلي. جسدُ الليل نحيلٌ يا صديقي، وعُمري يقضمُ أظافرَ النَّدم، ولكن مهما فعلتُ لن أعودَ لتعويض ما تسرَّب منكَ.

حتى أناملي يا سيد (ح) تستعمرُها الشيخوخةُ. حاولتُ كثيرًا تحريكَها لتُسبِّحَ، ولكن لا فائدة. أصابها الصدأُ وذَبُلَتْ. لذلك استُرْ خصرَ أناملكَ بالمسبحة، وإياكَ والتعرّي، فإنَّ المسبحةَ وشاحٌ لمن لا يمتلك وشاحًا. لن تُصدِّقَ بأنَّ المآذنَ عاريةٌ من المصلين، لذلك ارتدِ ثوبَ مآذنِ القريةِ وكُنْ لها إمامًا.

قمتُ للبحث عن إبريق لكي أصنعَ لي القهوة، فلم أجدْ إلا دموعي تملأُ إناءَ الساعات.

سيد (ح)، أعلمُ بأنَّ العالمَ الذي تسكنُه ممتلئٌ بالكثير من الكَبَد والوحدة والظلم والخيبات، ولكن يجب أن تؤمنَ بأنك في النهايةِ ستُغادرُ، وتضعُ رأسَكَ على صدرِ التراب. أنا الآن يا صديقي أتحسَّسُ ملامحَ الطريق لعلّي أجدَ المخرجَ لأهربَ إليكَ، ولكن لا فائدة. أخرجُ من مَمَرٍّ لأعودَ إليه، وكأنَّ الدروبَ عاقرةٌ عن النهايات. اصطدمتُ أخيرًا بشيءٍ، رفعتُ رأسي فإذا بي أجدُ عمودًا من عِظام. حتى ظِلّي يا رفيقي انخلعَ عني وراح يبحثُ عن الشمس! كلُّ شيءٍ هنا يتخلّى عنكَ يا عزيزي، وحدهُ عملُكَ من يُرافقُكَ، يُضاجِعُكَ ويقبلُ دربَكَ الطويل.

والآن دعني أبثَّ لكَ ما تبقّى من كلماتي في نهاية السطر: أنتَ مسؤولٌ عن كل ما سيحدثُ معكَ حين تَصِلُ إلى هذا المكان.

مِن ميتٍ يسكن البرزخ، إلى حيٍّ نسيَ أنه سيموت.

بقلم: رزنة صالح

١٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
٤ مايو ٢٠٢٦ م

أسنة_الضياء

@AsennatAdiyaa

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة