هل تساءلت يومًا لماذا تُعدّ بعض أشهر الأنميات وأكثرها مشاهدة وتقييمًا تلك التي تطرح أفكار الفلسفة العقدية؟
والسؤال الأهم: هل اكتسبت هذه الأعمال شهرتها لأنها تحمل تلك الأفكار أصلًا، أم أنها بدأت أولًا بالانتشار والنجاح، ثم أُضيفت إليها هذه الأبعاد الفلسفية والعقائدية مع الوقت؟
الأنمي ليس مجرد رسوم متحركة تُستهلك لقتل الوقت؛ بل هو الوسيط المثالي القادر على تمرير الأفكار دون أن يشعر المتلقي. فالمشاهد لا يجلس أمام “محاضرة مملة”، بل أمام ألوان مبهرة، وموسيقى حماسية، وشخصيات كُتبت بعناية حتى يجد المشاهد نفسه فيها، ثم فجأة -دون أن ينتبه- يجد فكرةً ما تستقر في عقله بهدوء واحترافية!
فالأنمي لا يقول لك غالبًا: “اترك دينك”، بل يهمس لك:
“هل أنت متأكد أصلًا أن للحياة معنى؟”
“ولماذا تكون العبودية لله أفضل من التحرر المطلق؟”
“أليس الشرير في الحقيقة أكثر فهمًا للعالم من الجميع؟” وهنا تكمن الخطورة!
إن كثيرًا من هذه الأعمال اعتاد أن يعامل جمهوره باعتباره قادرًا على التصارع مع الأسئلة الكبرى: الهوية، والحرية، والمعنى، والعدالة، والسلطة، بل وحتى الإله والوجود نفسه. وهذا ما يجعلها قابلة للنقاش لعشرات السنين؛ لأن الجمهور لا يخرج منها بقصة فقط، بل يخرج بحزمة شكوك وأسئلة وصراعات فكرية يتداولها الناس كما لو كانوا في ندوة فلسفية لا في مجتمع أوتاكو يتعارك حول (أفضل وايفو)! (١)
ولهذا تنجح تلك الأعمال تجاريًا أيضًا؛ فالعمل الذي يثير الجدل يعيش أطول.
الناس بطبعهم ينجذبون إلى كل ما يبدو “عميقًا”، حتى لو لم يفهموه بالكامل. يكفي أن يشاهد المرء مجموعة من المعجبين يناقشون عملاً ما بحماس، حتى يشعر أن عدم مشاهدته لهذا العمل نوع من التخلف الحضاري!
وهنا تبدأ المرحلة الأخطر:
مرحلة تحوّل الأنميات من مجرد ترفيه… إلى “مرجعية شعورية”
فتجد شابًا تائهًا، ساخطًا على حياته، لا يعرف لماذا يعيش أصلًا، ثم يشاهد شخصية تشبهه تمامًا: منطوية، بائسة، تكره العالم وتزدري الناس. وبعد عدة حلقات وموسيقى حزينة وحوار تحت المطر، تهمس له القصة بهدوء: ”أنت محق… الحياة فعلًا بلا معنى“!
وفجأة تتحول الأزمة النفسية إلى “فلسفة”، والاكتئاب إلى “وعي عميق”، والتمرّد على كل شيء إلى “بطولة وجودية”!
هل تتذكرون أشرار الرسوم القديمة؟
ذلك الشرير الذي كان كل طموحه أن يهزم البطل أو يسرق البنك أو يحتل المدينة، ثم ينتهي أمره بلكمة محترمة وموسيقى انتصار؟
أما اليوم، فالشرير في كثير من أعمال الأنمي لم يعد شريرًا أصلًا؛ بل فيلسوفًا مكتئبًا يحمل ماضيًا مأساويًا، ويتحدث عن عبثية العالم، وظلم البشر، وزيف الأخلاق، حتى يكاد المشاهد يعتذر له بدل أن يرفضه! وتكثر هذه الظاهرة للأسف في الفتيات بسبب وسامته!
فإذا خرج المشاهد مشوشًا، محطم اليقين، شاكًّا في كل شيء، صاح بإعجاب: “يا له من عمل عظيم!”
وكأن تدمير اليقين وانتكاس الفِطَر صار معيارًا للعبقرية الفنية!
والأنمي ينجح في ذلك لأنه لا يكتفي بطرح الأفكار كزينة فوق القصة، بل يجعل الفلسفة نفسها محرّك الأحداث.
الشخصيات تتقاتل بسبب رؤيتها للحياة، والحوارات تُبنى على تصورات أخلاقية، وحتى المآسي تُكتب لتدفع المشاهد إلى تبني شعور معين.
ولهذا تبدو هذه الأعمال في الصورة ثقيلة الأثر؛ لأنها لا تقدم لك قصة فحسب، بل تصبح كـ”نظارة” ترى بها الحياة.
وزد على ذلك أن الأنمي -خلافًا لكثير من الرسوم الغربية القديمة- لا يخفف دائمًا من قسوة العواقب؛ بل يواجه المُشاهِدَ بالخسارة، واليأس، والانهيار النفسي، والأسئلة الوجودية مباشرة.
وحين تمتزج هذه القتامة بالإخراج العاطفي والموسيقى والشخصيات المكتوبة بعناية… تصبح الفكرة أكثر قدرة على التسلل إلى النفس دون مقاومة.
وهنا تعود قضية “المرجعية” التي تكلمنا عنها سابقًا.
فالإنسان لا يتلقى الأفكار في الفراغ؛ بل يتلقاها من كاتب، ومن استوديو، ومن بيئة فكرية كاملة. وكثير من هذه الأعمال كُتب داخل مجتمعات لا تؤمن أصلًا بثبات المعنى، ولا بالوحي، ولا بأن للحياة غاية تتجاوز المادة.
أنا لا أقول إن طرح الأسئلة خطأ؛ فالأسئلة جزء من طبيعة الإنسان، بل قد تكون بداية الهداية أحيانًا. لكن المشكلة حين تُؤخذ الإجابات من أعمال هدفها الأول هدم الثوابت -أو الترفيه في أقل الأحوال إن أحسنا النية- ثم تتحول مع الوقت إلى مرجع نفسي وفكري للمشاهد.
ولسان حال بعض “الأوتاكو” يقول:
”لقد كَتَبَ أنمي عميقًا… لا يمكن أن يكون شريراً“
والله المستعان
انتهى
(١): [وايفو: مصطلح مأخوذ من النطق الياباني لكلمة Wife الإنجليزية، ويستعملها جمهور الأنمي للإشارة إلى شخصية أنثوية يحبها الشخص حباً شديدًا، لدرجة المزاح أحيانًا بأنها زوجته الخيالية]
وللمزيد بهذا الصدد يقرأ:
• الأنمي، وتقليد المتابعين
• الفلسفة العديمة والإلحاد
• المظلومية
• زخرفة التناقض










