دعاة الضلال؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تكونُ دعاةٌ على أبوابِ جهنمَ، مَنْ أجابَهم إليها قذفوه فيها، هم قومٌ مِنْ جِلْدَتِنا، يَتَكَلَّمُونَ بألسنتِنا، فالزمَ جماعَةَ المسلمينَ وإمامَهم، فإِنْ لم تَكُنْ جماعَةٌ ولَا إمامٌ فاعتزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّها، ولَو أنْ تَعَضَّ بأصلِ شجَرَةٍ حتى يُدْرِكَكَ الموتُ وأنتَ كذلِكَ».
في أزمانِ الفتن وتقلبِ الأحوال، يصبح توخي الحذرِ والدقةِ في الاستماع إلى الدعاة أو متابعتهم أمرًا ملحًّا على كل مسلم؛ فالمؤمنُ فطنٌ لبيب، يميزُ الحق من الباطل مستعينًا بالله، وطالبًا منه النور والرشاد. بل إنَّ البصيرة في هذه المزالق لهي -لَعَمْرُ الله- أغلى وأثمن من نعمة الإبصار؛ فالبصرُ يرى ظواهر الأشياء وزخرفها، لكن البصيرةَ هي التي تنفذُ إلى حقائقها وتكشفُ زيفها.
“قَومٌ مِن جِلدَتِنا، ويَتَكَلَّمونَ بألسِنَتِنا”
ولما كانت الفتنةُ ذاتَ دَخَنٍ وضبابية، تقمص أصحابها المراوغة والخداع؛ فهؤلاء أئمة الضلال من بني جلدتنا، ويتكلمون بلساننا، وهذا هو مكمن الخطر؛ إذ يغتر الناس بهم لوجود روابط مشتركة. ومن هذا الباب، وقع الكثيرون في هذا الفخ؛ إذ إنَّ مجرد الاستجابة لهم وقبول ما يصدر عنهم هو -في حقيقته- سببٌ للهلاك.
“قذفوه فيها”
تعبيرٌ نبويٌّ مُفزِع، يتجلَّى فيه عِظَمُ خطرِ اتباعِ أئمّةِ الضلال؛ فالأمرُ ليس هيِّنًا أبدًا، ولو كان كذلك لما حذَّر منه نبينا ﷺ بهذا التحذير الشديد.
وقد يتساءلُ أحدُنا: إذا كانت هذه الفتنةُ غيرَ واضحة، ويكتنفها غَبَشٌ والتباس، فكيف نُميِّز الأئمّةَ المُضلِّين؟ وما الشواهدُ الدالّةُ على ذلك لنحذرَهم ونُحذِّر منهم؟
من المعلوم أن العلماء والدعاة هم مَحطُّ ثقة المسلم وملاذه في الفتوى، فبهم يطمئنُّ قلبُه على دينه، ولأجل ذلك تجدُه أسرع استجابةً لقولهم وأكثر تسليماً لدعوتهم، فالأمر إذن -كما أسلفتُ- ليس بالهيِّن، وليس كذلك بتلك الصعوبة؛ بل يحتاج إلى الاستمساكِ بالكتابِ والسنة، وطلبِ الهدايةِ والبصيرةِ من الله تبارك وتعالى، ثم تتجلَّى -بإذن الله- أماراتٌ وشواهدُ تُبيِّنهم لنا، ومنها:
- أولًا: عدم العمل بعلمهم قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون الناس إليها بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا؛ قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق”.
- ثانيًا: السكوت عن الباطل مع القدرة على بيانه وتفنيده.
- ثالثًا: النطق بالباطل، خاصة إذا أُلبس لباس الحق.
- رابعًا: تشويه صورة أهل الحق، مثل الاستهزاء والوقيعة بهم، فهذا من أساليبهم ليصدوا الناس عن الخير.
- خامسًا: تمييع الدين. ومع ذلك فليس كل من أخطأ أو زلّ يُعد من أئمة الضلال؛ فإن الخطأ قد يقع من أهل العلم، ولكن العبرة بالمنهج والغالب على حال الشخص، ويُرجع في ذلك إلى أهل العلم الراسخين.
كيفية النجاة من دعاة الضلال:
• المداومة على القرآن الكريم تلاوة وتدبراً؛ لقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الآية.
• الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء: “اللهم إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ”. “اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ”.
• لزوم العلماء الراسخين.
• التمسك بصحبة الصالحين. ومما يزيد الأمر رهبة أن الائمة المضلين أشد خطرًا على الأمة من أعظم فتنة ستحدث بتاريخ البشرية جمعاء، ألا وهي فتنة الأعور الدجال. فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: كُنْتُ أَمْشي مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: لَغَيرُ الدَّجَّالِ أخْوَفُني على أُمَّتي، قالها ثلاثًا، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، ما هذا الذي غيرُ الدَّجَّالِ أخْوَفُكَ على أُمَّتِكَ؟ قال: أئمَّةً مُضِلِّينَ. والمقصود بالأئمة المضلين: كل متبوع يضل الناس عن سبيل الله، سواء كان حاكمًا جائرًا أو عالمًا فاجرًا أو عابدًا جاهلا.
إنَّ الوقاية من أئمة الضلال ليس أمرًا كماليًّا، بل هي معركة وجودٍ لإيمان المرء؛ فإذا كان خطرهم قد فاق خطر الدجال في التحذير النبوي، فإن الاستمساك بـ”أصل الشجرة” -وإن كان شاقاً- هو سبيل النجاة الوحيد حين تتلاطم أمواج الفتن.
فليكن ميزاننا دائماً هو الوحيين، وبوصلتنا هي تقوى الله في السر والعلن، فلنصن أسماعنا عن كل قولٍ باطل، ونكفَّ أبصارنا عن مشاهد السوء والفتنة، ولنبتعد عن كل ما يكدّر القلوب ويضعف إيمانها، ولنحرص على ما يقوّي يقيننا ويزيده قربًا من الله تعالى حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا، ثابتين على الحق لا مغيرين ولا مبدلين.










