أمنيات مستحيلة

|

أمنيات مستحيلة ¹

﴿وَنَادَوۡا۟ یَـٰمَـٰلِكُ لِیَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧]

وإنَّ العجبَ كلَّ العجبِ ممَّن قضى عمرَه مُنكرًا للبعث، قائلًا: ﴿وَمَا یُهۡلِكُنَاۤ إِلَّا ٱلدَّهۡرُ﴾ فإذا به في الآخرة يُقِرُّ ويعترفُ بأنَّ اللهَ عزَّ وجَلَّ هو المُحيي وهو المُميت، بل ويطلبُ الموتَ قائلًا: ﴿لِیَقۡضِ عَلَیۡنَا رَبُّكَ﴾!

وها هنا فائدة:
هذه الآية تطلعنا على الحال التي يبلغها أهل النار، إذ لا يطلبون نعيمًا، ولا خروجًا، بل يتمنّون الموت فلا يُجابون. فإذا كان هذا حالهم، فكيف نثقل قلوبنا بهموم الدنيا الزائلة؟ وننسى أن هناك حزنًا لا يضاهيه حزن.

فلنُجاهد أنفسنا اليوم قبل الغد، ولنسأل الله صدق التوبة وحُسن العمل، لعلّه ينجّينا من عذابه.

أمنيات مستحيلة ²

﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِی ٱلأرۡضِ جَمِیعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِیَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ یَوۡمِ ٱلْقِیَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ﴾ [المائدة-٣٦]

في دار الدنيا قد يُؤَمِّن الذهب لأصحابه صكوك العفو والنجاة؛ فالملوك والأثرياء يسيرون داخل أسوارٍ حصينةٍ شيّدتها أموالهم، يفتدون بها أنفسهم من تبعات الخطايا، ويدفعون بها غرامات الزلل، وكأن النجاة صفقة تُشترى وتُباع.

لكن هذا الجاه الزائف يتهاوى على وجهه عند عتبات الآخرة؛ هناك حيث تسقط سلطة العملة، وتبطل رشاوى المال. هناك، في محكمة السماء، يصير ملك الأرض كلها – بتبرها وعقارها – عاجزًا عن شراء لحظة أمانٍ واحدة.

فيا حسرةَ من خرج من الدنيا بخزائن مملوءة، وجاء الآخرة بصحيفة خاوية؛ فلم يُقبل منه ملء الأرض ذهبًا، وعلِم – حين لا ينفع الندم – أن الكنز الوحيد النافع هناك هو: توحيد الله جل جلاله، وصالح العمل.

أمنيات مستحيلة ³

﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة – ٣٧]

لو كان العذابُ مقتصراً على الجوارحِ والجسدِ؛ لربما وجد هؤلاءِ الكافرون مخلصاً أو سبيلاً، بيدَ أنَّه لا مناصَ من هولِ المصير؛ إذ تساوتِ النَّفسُ والبدنُ في لظى جهنم، فأُحيطَ بهم من كلِّ جانب.

أمنيات مستحيلة ⁴

﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ فِی ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمۡ یُخَفِّفْ عَنَّا یَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [غافر – ٤٩]

إنَّ تأمل هذه الآية يضعنا أمام مفارقة عجيبة؛ ففي ذروة اليأس، وفي قلبِ أشدِّ مواطن العقاب وأعظمها، لا يزال أولئك القوم يتشبثون بأمنيةٍ مستحيلة، طمعًا في تخفيفٍ هو محضُ سراب. فقد انكمشت آمالهم إلى أدنى غاية، حتى صار يومٌ واحدٌ من تخفيف العذاب منتهى رجائهم. وإذا كان الكفارُ لم ييأسوا من أمنياتهم مع الله وهم في دار الجحود والجزاء، فحريٌّ بالمؤمن -وهو في دار العمل والرَّجاء- ألا ييأس أبدًا من رحمة الله، بل عليه أن يُلحَّ في الدعاء، ضارعًا لربه، ملازمًا ركن العبادة، موقنًا بأن بابه لا يُغلق.

ولمَّا ضاقت بأولئك الكفار السبل، توجَّهوا إلى خزنة جهنم يسألونهم الدعاء، طمعًا في تخفيفٍ يسير من العذاب، فجاءهم الجواب توبيخَا وتذكيرًا بأن الرسل قد بلغتهم البينات في الدنيا، وأن زمن العمل قد انقضى، فلم يبقَ لهم إلا الحسرة والندم:
﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِیكُمْ رُسُلُكُم بِٱلْبَیِّنَـٰتِ قَالُوا۟ بَلَىٰ قَالُوا۟ فَٱدْعُوا۟ۗ وَمَا دُعَـٰؤُا۟ ٱلْكَـٰفِرِینَ إِلَّا فِی ضَلَـٰلٍ﴾ [غافر – ٥٠]

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة