خلفَ خطواتِ الطفولةِ مشيتُ
على أصواتِ أذانِ الفجرِ وهي ترتفعُ من جوامعِ القرى؛ أذانٌ يتلوه أذان،
يمزّقُ الظلامَ ليخبرنا أن ما يفصلنا عن النور هو: حيَّ على الصلاة..
يدٌ صغيرةٌ تحاولُ إيقاظي من غفوتي بعد الصلاة،
هامسةً في أذني: انهضي، هذا أحدُ صباحاتكِ العتيقة..
إنها أنا… ثانيةً.
لم أنتظر حتى تجرّني خلفها ككلِّ مرة،
لقد هرولتُ إلى الخارج، تبعتُ زقزقةَ العصافير، ونقيقَ الدجاج، وخُوارَ الأبقار وثغاءَ الأغنام،
إنه تناغمٌ طبيعيٌّ جميل، لا تُسمعينه إلا في الأرياف مع تباشير الصباح،
حيثُ تُشاهد الشمسَ وهي تشرقُ من خلف الجبال التي تحتضن تلك القرى من كلِّ جانب،
ورائحةُ الخبزِ تنبعثُ من المداخن…
ولكن…!
يقطعُ تلك المقطوعةَ صوتُ طرقٍ على باب البيت.
أفتحُ الباب، فأجدُ جارتنا أمَّ صالح، العمة فاطمة – رحمها الله –
تحملُ في يدها وعاءً فيه لبنٌ بقريٌّ صنعته بيدها.
الوعاءُ صغير، لكن أمي كانت تمزجه بالماء وتقسمه بيننا أنا وإخوتي بالتساوي،
ومع ذلك، لا يُنقصُ ذلك من لذته شيئًا…
أُقسمُ بعزّةِ جلالِ الله، إنني اليوم أشربُ من ألذَّ الألبان وأشهاها،
لكن مثلَ ذلك اللبن لم أذق في حياتي…
هل هو طعمُ البداياتِ ربما؟
أم أنها طريقةُ العمة فاطمة البدائيةُ في صنعه؟
كانت تأتي بيقطينةٍ قد جفّفتها، وأخرجت ما فيها،
وتسكبُ حليبَ البقرة داخلها، ثم ترجُّها وهي معلّقةٌ بعيدان،
وبعدها تأتي مرحلةُ فصلِ الزبدةِ عن اللبن،
لتصنعَ السمنَ البلديَّ المُكَبَّى على الجمر…
تأتي بحجرٍ ساخن، وتضعه في وعاءٍ بداخله الزبدة التي استخرجتها، و…!
وجرّتني من يدي: سوف نتأخرُ عن المدرسة!
أجري خلفها، نقطع الطريق، ونصلُ بسرعةٍ قياسية،
لو قطعته الآن لما وصلتُ إلا بشقِّ الأنفس…
لا أدري من كان يحملنا؛ أهي روحُ الطفولة، أم دعواتُ الأمهات؟
وأجدني فجأةً أمضي خلفها في إحدى القرى…
إنها قريةُ زميلتي هدى.
لم نكن أنا وهي هذه المرة لوحدنا فقط، بل كانت معنا هدى تصيحُ مبتهجةً:
“ليلةَ البارحة تم توصيلُ الكهرباء إلى قريتنا مثل بقية القرى!”
لقد تركَ أهلُ القرية الأضواءَ مشتعلةً حتى شروق الشمس، بل حتى الزوال…
طبعًا، هذا في أيامٍ عندما كان فيها شيءٌ يُسمّى بالكهرباء.
أنا لا أعلم كيف هو التقدّمُ في بلادي الآن…!
فقد أصبح لدينا مصابيحُ بلا كهرباء…
وعلى رائحة الطعام قادتني قدماي،
فوجدتني أجلسُ أنا وإخوتي، وأمي وأبي،
نفترشُ الأرضَ حول صحنٍ واحدٍ يجمعنا،
والبركةُ تحفّنا، ونتناولُ وجبةَ الغداء…
وإذا بها تسحبني قائلة: هذه أجملُ أوقاتكِ في أيام الطفولة.
تركتُ يدها، وهرولتُ إلى مجموعةٍ من الفتيات يلعبنَ القفزَ بالحبل،
كنتُ أنطُّ معهن، وأسافرُ إلى يومٍ عتيقٍ في دواليب الحنين…
يقطعُ لعبنا صوتُ أذانِ المغرب،
معلنًا انتهاءَ يومٍ مليءٍ بالصخب والقهقهات التي ملأت أشداقنا،
ولا يخلو من الدموع، وبعض الشجار،
والزعل، ثم التسامح بالإصبعِ الصغيرة (الخنصر)…
وفجأة… اختفت دليلتي عني.
وبينما كنتُ أبحثُ عنها وسط الظلام،
عثرتُ على نبرةِ صوتٍ قديم،
لفتاةٍ عاكفةٍ أمام فانوس، تقرأُ أولَ روايةٍ في حياتها بصوتٍ مرتفع…
كانت تمشي على صوتها،
وحين تتعثّرُ في مشهدٍ مرعب، تخفضُ صوتها… بل يختفي تمامًا،
وكأنها لا تريد لذلك الرعب أن يغادر الكتب، فيروّع العالم…
تلك الفتاةُ التي خفّضت صوتها،
لم تكن تعلم أن ما كُتب هناك لم يكن خيالًا… بل حقيقة.
كانت تصمتُ عند كلِّ بشاعةٍ كتبها الكاتب،
وكأنها إن نطقت بحرف، فتحت بوابةً لتلك المشاهد كي تخرج إلى الواقع…
والآن… صارت تلك البشاعةُ صورًا حيّةً على أرض الواقع،
والفتاةُ لا تزال تمارس الصمت…
أهو من هولِ ما يحدث؟
أم أنه صمتُ العاجز؟
لكن السؤال الذي يُحيّرني:
هل تركتِ الكتابَ مفتوحًا؟
وحين انطفأ الفانوس، تسرَّبَتِ الأحداثُ إلى زماننا هذا؟
كأنني بها الآن تركضُ في دهاليز ذاكرتها،
لتتأكد: هل أغلقتِ الكتابَ؟
نعم… إنه مغلق،
في ركن البيت القديم،
داخل كُوّةٍ ضيقة…
لكنه يصرخ:
وا إسلامااااه…!










