التاجر المسلم

|

نصيحة للتاجر المسلم

عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء”.’¹’

أيها التاجر المسلم، أخاطب الآن فيك دينك وأخلاقك، تأمل الحديث السابق وانظر لباب الفضل العظيم الذي فتحه الله عز وجل عليك في الدنيا والآخرة بتجارتك الطيبة. فإياك إياك أن تخلط هذا الطيب بالخَبث فيفسده.

وإياك أن تسد بابًا قد يجتبيك الله عز وجل به فتكون رفيق الأنبياء، وأنعم به من فضل.

أثرة مكسب دنيوي عابر فانٍ قد يرديك جهنم والعياذ بالله، فلا شك أن المعاملات المالية بين الناس مظنة لحصول الأثرة والظلم والتطفيف والخيانة؛ لذا أرشد الشرع التجار إلى جملة من الآداب يدرك بها التاجر البركة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

  • أيها التاجر المسلم، عليك بالنصيحة للمسلمين وعدم غشهم. ومن صور النصيحة التي تبذلها للناس: الربح المعقول الذي لا يشق على المشتري، وإخباره عن جودة السلعة وعدم المبالغة فيها، وعدم كتمان عيوبها؛ فإن كتمان العيب في السلعة غشٌّ لا يرضي الله عز وجل، وهو ممحق لبركة البيع، نازعٌ لها. قال صلى الله عليه وسلم: “الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما”.’²’
  • التزم الصدق واتصف به؛ فبه تحصل البركة والخير. روى البخاري، ومسلم: عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: “البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا -أَوْ قالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقا- فَإِنْ صَدَقا وَبَيَّنا بُورِكَ لَهُما فِي بَيْعِهِما، وَإِنْ كَتَما وَكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما”. وبوّب عليه البخاري بقوله: “بابُ ما يَمْحَقُ الكَذِبُ والكِتْمانُ فِي البَيْعِ”.

فعلى التاجر أن يقيم تجارته على الصدق والوضوح ويتجنب الخداع والغش.

روى الإمام مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: “أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: ‌أَصَابَتْهُ ‌السَّمَاءُ، يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي”.

  • لا تحلف بالله كذبًا وزورًا من أجل متاعٍ من الدنيا قليل؛ فإنه أكلٌ لأموال الناس بالباطل، وظلمٌ لهم، وجنّب نفسك سخط ربك عليك. قال صلى الله عليه وسلم: “مَن حَلَفَ علَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، هو عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهو عليه غَضْبَانُ…” الحديث.’³’ وقال صلى الله عليه وسلم: “إيَّاكُمْ وكَثْرَةَ الحَلِفِ في البَيْعِ، فإنَّه يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ”.’⁴’ تخيل هنا أن كثرة الحلف حتى لو لم تكن بالكذب ممحقة للبركة؛ فكيف بالحلف كذبًا!!!

قال صلى الله عليه وسلم: “ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيامَةِ، ولا يَنْظُرُ إليهِم ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ” قالَ: فَقَرَأَها رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثَلاثَ مِرار، قالَ أبو ذَرٍّ: خابُوا وخَسِرُوا، مَن هُمْ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: “المُسْبِلُ، والْمَنَّانُ، والْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكاذِبِ”.’⁵’

  • إياك و التطفيف في الميزان، قال الله تعالى في أول آيات سورة المطففين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ١-٦]

والتطفيف هنا: هو بخس الناس حقوقهم في المكيال والميزان ظلمًا وعدوانًا، فتوعدهم الله هذا الوعيد الشديد.

  • أقلِ الناس إن هم اشتروا من عندك سلعة ثم ندموا؛ فإن كثيرًا من الناس قد يشترون شيئاً ثم يندمون عليه، ويتحسرون، ويتمنون أنهم لم يشتروه، فإن جاؤوك ليردوا ما أخذوه وكان سليمًا، فاعذرهم واردد لهم أموالهم، ولا تجبرهم على الشراء مما عندك فقد لا يريدونه، ولا يغلبنك حب الدنيا على نفع الناس؛ والحق أنك تنفع نفسك. قال صلى الله عليه وسلم: “من أقالَ مُسلِمًا عَثرتَه؛ أقالَه اللهُ عَثرتَه يومَ القِيامةِ”.’⁶’

احذر الربا؛ فإنه بئس المكسب وبئس المنقلب. قال جل جلاله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].

وعن جابر رضي الله عنه قال: “لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه وقال: هم سواء”.’⁷’

وصور الربا كثيرة، ولا تَقُل من عند نفسك إن هذه الوسيلة الفلانية جائزة ولا شيء فيها أو نحو ذلك، بل ارجع إلى أهل العلم الراسخين فيه، واسألهم. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾.

ولا تتشبث بفتوى أنصاف العلماء واحذرهم، وانجُ بنفسك إن أردت لها الفلاح.

  • احذر إضاعة الصلاة من أجل كسب بضعة ريالات، فإن الدنيا لا تسوى عند الله جناح بعوضة، فإذا أُذن للصلاة فاترك الدنيا -الزائلة- وراء ظهرك، وأطلب الآخرة -الدائمة- التي لا تزول. ومن تشاغل عن الصلاة بالبيع والشراء فقد أثم ووقع في المحرم. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ۹]. وهذا الحكم ليس في الجمعة فحسب، بل أي تجارة ألهت عن صلاة فهو محرم.
  • أدِّ زكاة مالك، وأكثر من الصدقة؛ فما نقص مال عبد من صدقة، بل هي بركة للمال. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ اللهَ يقبلُ الصدقةَ ويأخذها بيمينِهِ فيُرَبِّيها لأحدكم كما يُرَبِّي أحدكم مهرَهُ حتى إنَّ اللقمةَ لتصيرُ مثلَ أُحُدٍ وتصديقُ ذلك في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ ﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ و﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾”.’⁸’

روى أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه: عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ، قَالَ: كُنَّا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نُسَمَّى السَّمَاسِرَةَ فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمَّانَا بِاسْمٍ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: “يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلْفُ، فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ”.

  • كن سمحًا في البيع والشراء، وأنظر المعسر، وتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنك في وقت أنت أحوج ما تكون إلى تجاوز الله عنك. قال صلى الله عليه وسلم: “رَحِمَ اللهُ عبدًا سَمْحًا إذا باعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرى، سَمْحًا إذا قَضَى، سَمْحًا إذا اقْتَضَى”.’⁹’

وقال صلى الله عليه وسلم: “كانَ تاجِرٌ يُدايِنُ النَّاسَ، فإذا رَأَى مُعْسِرًا قالَ لِفِتْيانِهِ: تَجاوَزُوا عنْه، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَتَجاوَزَ عَنَّا، فَتَجاوَزَ اللَّهُ عنْه”.’¹⁰’ وقال صلى الله عليه وسلم: “مَنِ أنظَرَ مُعْسِرًا، أوْ وضَعَ عنْهُ أظلَّهُ اللهُ في ظلِّهِ، يومَ لَا ظِلَّ إلَّا ظلُّهُ”.’¹¹’

وقد بوّب الإمام البخاري بقوله: “بابُ السُّهُولَةِ والسَّماحَةِ فِي الشِّراءِ والبَيْعِ، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ”.

  • إياك إياك والاحتكار، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحتكر إلا خاطئ”.’¹²’ وخاطئ يعني عاصٍ أو آثم. وقد عد بعض أهل العلم الاحتكار من الكبائر.

هذه جملة من النصائح التي يجب على التاجر الحميم ألا يفرط فيها أبدًا، رغبة فيما عند الله عز وجل، خاصة في أزمة الغلاء والفقر التي تعيشها أغلب بلاد المسلمين. فلعلها تكون تجارتك الرابحة في الدنيا والآخرة بإذن الله.

وأختم بنصيحة غاية في الأهمية:
على التاجر أن يتفقه في أحكام البيوع حتى لا يقع في المعاملات المحرمة والأموال الخبيثة.

قال البهوتي رحمه الله تعالى:
هذا كتاب البيع، قدَّمه على الأنكحة وما بعدها، لشدة الحاجة إليه؛ لأنه لا غنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس، وهو مما ينبغي أن يُهتم به؛ لعموم البلوى، إذ لا يخلو مكلَّف غالبًا من بيع وشراء، فيجب معرفة الحكم في ذلك قبل التلبُّس به. وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز لمكلَّف أن يُقدِم على فعل حتى يعلم حكم الله فيه. وبعث عمر رضي الله عنه من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه”.’¹³’

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة