الحكمة من تشريع الصيام!

|

الحكمة من تشريع الصيام!
لطالما اعتاد أهل الباطل أن يصدوا المسلمين عن أي طاعة وأي أمر أمرهم به الله عز وجل، يشغبون عليهم بأي أسئلة مهما كانت عبثية أو عدمية أو غير ذات فائدة؛ ليخرجوهم من صدق الطاعة والامتثال لله عز وجل، كما كان الرعيل الأول والقرن المفضل، إلى البحث عن: “لماذا؟ وكيف؟ وما السبب؟ وما الحكمة؟ وما الفائدة؟” وغير ذلك من الأسئلة، لا تهدف أبدًا إلى تعزيز اليقين، بل صناعة الشك وكسر الأثر النفسي والروحي للعبادة وتحويلها إلى وسيلة نفع مادية، إن لم يُرَ أثرها المادي -بزعمهم- أصبحت مثارًا للشك.

مثلًا في حالة الصيام، دائمًا ما يسعون للبحث عن هدف وحكمة مادية وإلا بدؤوا في التشكيك في صحته وجدواه وما إلى ذلك؛ فهم قد ورثوا نصيحة آبائهم الأوائل في الباطل والتشغيب على الحق.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].

ولكننا أيضًا لا بد أن نرث من آبائنا الأوائل، الصحابة رضي الله عنه، إذ كان لسان حالهم ومقالهم كلما أتاهم أمرٌ من الرحمن عز وجل: “سمعنا وأطعنا” دون جدال ولا نقاش ولا كثرة أسئلة.

ومع ذلك فكل شبهة أثارها أهل الباطل مردودة عليهم بفضل الله عز وجل، وكل أوامر الله عز وجل بها من الصلاح المادي والنفسي والدنيوي والأخروي ما شهد به الأعداء قبل المسلمين ذاتهم.

لكن يبقى الأمر الأول والأهم، هو الامتثال لله عز وجل بصدق ومحبة وجلال وإخبات وخضوع تام.

نأتي للسؤال، ما الحكمة من مشروعية الصيام؟
والجواب: لا بد أولًا أن نعلم أن من أسماء الله تعالى الحُسنى: “الحكيم”، والحكيم مشتق من الحُكْم، ومن الحِكْمة. فالله تعالى له الحكم وحده، وأحكامه سبحانه في غاية الحكمة والكمال والإتقان.

لم يشرع الله تعالى حكمًا من الأحكام إلا وله فيه حكم عظيمة، قد نعلمها، وقد لا تهتدي عقولنا إليها، وقد نعلم بعضها ويخفى علينا الكثير منها. ذكر الله تعالى الحكمة من مشروعية الصيام وفرضِه علينا في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية.

فالصيام وسيلة لتحقيق التقوى، والتقوى هي فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه. فالصيام من أعظم الأسباب التي تعين العبد على القيام بأوامر الدين. وقد ذكر العلماء رحمهم الله بعض الحكم من مشروعية الصيام، وكلها من خصال التقوى، ولكن لا بأس من ذكرها؛ ليتنبه الصائم لها، ويحرص على تحقيقها.

فمن حكم الصوم:

  • أَنَّ الصَّوْمَ وَسِيلَةٌ إلَى شُكْرِ النِّعْم، فَالصِّيَامُ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وهذه مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ وَأَعْلاهَا، وَالامْتِنَاعُ عَنْهَا زَمَانًا مُعْتَبَرًا يُعَرِّفُ قَدْرَهَا؛ إذْ النِّعَمُ مَجْهُولَةٌ، فَإِذَا فُقِدَتْ عُرِفَتْ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى قَضَاءِ حَقِّهَا بِالشُّكْرِ.
  • أَنَّ الصَّوْمَ وَسِيلَةٌ إلَى ترك المحرمات، لأَنَّهُ إذَا انْقَادَتْ النَفْسٌ لِلامْتِنَاعِ عَنْ الْحَلالِ طَمَعًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَوْفًا مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ، فَأَوْلَى أَنْ تَنْقَادَ لِلامْتِنَاعِ عَنْ الْحَرَامِ، فَكَانَ الصَّوْمُ سَبَبًا لاتِّقَاءِ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى.
  • أَنَّ فِي الصَّوْمِ التَّغَلّب عَلى الشَّهْوَةِ، لأَنَّ النَّفْسَ إذَا شَبِعَتْ تَمَنَّت الشَّهَوَاتِ، وَإِذَا جَاعَت امْتَنَعَتْ عَمَّا تَهْوَى، وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ”.
  • أَنَّ الصَّوْمَ مُوجِبٌ لِلرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ فَإِنَّ الصَّائِمَ إذَا ذَاقَ أَلَمَ الْجُوعِ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ، ذَكَرَ مَنْ هَذَا حَالُهُ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ؛ فَتُسَارِعُ إلَيْهِ الرِّقَّةُ عَلَيْهِ، وَالرَّحْمَةُ بِهِ، بِالإِحْسَانِ إلَيْهِ، فَكانَ الصّوم سَببًا للعَطفِ عَلى المَسَاكِين.
  • فِي الصَّوْمِ قَهْرٌ لِلشَّيْطَانِ، وإضْعَافٌ لَه، فتَضعفُ وَسوَسَتُه للإِنسَانِ؛ فتقِلُّ مِنهُ المَعَاصِي، وذلك لأن الشَّيْطَان يَجْرِيَ مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ كما قال النّبيُّ صَلّى اللهُ عليهِ وسلم، فبالصيام تضيق مجاري الشيطان فيضعف، ويقل نفوذه.

قال شيخ الإسلام رحمه الله في “مجموع الفتاوى”:
“ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشياطين -الذي هو الدم- وإذا صام ضاقت مجاري الشياطين، فتنبعث القلوب إلى فعل الخيرات، وترك المنكرات”. اهـ بتصرف.

  • أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه.
  • وفي الصيام التزهيد في الدنيا وشهواتها، والترغيب فيما عند الله تعالى.
  • تعويد المؤمن على الإكثار من الطاعات؛ وذلك لأن الصائم في الغالب تكثر طاعته فيعتاد ذلك.

بعض شبهات أهل الباطل حول الصيام، كقولهم إن الصيام يوهن الجسد ويضعف الصحة ويقلل الإنتاجية، مجرد شبهات سقيمة مردودة، يحطمها الواقع الفعلي والإثبات الطبي؛ فمجرد بحث بسيط عن فوائد الصيام على الصحة والجسد ومن ثم على الإنتاجية تظهر لك العديد من المقالات والدراسات والأبحاث التي تؤكد احتياج الجسم للصيام فعلًا، وليس مجرد أنه مفيد فقط.

وهذه بعض فوائد الصيام على صحة الجسد:

  • تعزيز الجهاز المناعي: يساعد الصيام في تجديد الخلايا المناعية التالفة، وزيادة الأجسام المضادة، وتحسين كفاءة الخلايا الليمفاوية.
  • تنقية الجسم: يعمل الصيام كعملية حيوية لتخلص الجسم من المواد الضارة والفضلات.
  • تحسين التمثيل الغذائي: يساهم في فقدان الوزن الزائد، ويحسن حساسية الأنسولين، ويقلل من ضغط الدم والكوليسترول الضار.
  • راحة الجهاز الهضمي: يوفر الصيام راحة ضرورية للجهاز الهضمي؛ مما يسمح للجسم بتوجيه طاقته نحو إصلاح الخلايا بدلًا من الهضم المستمر. 

فهذا رد العلم والطب على هذه الشبهة بطريقة مختصرة جدًّا. أما رد الواقع، فيمكنك البحث عن عدد الحروب والغزوات التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا ساحقًا، تلك التي كانت في شهر رمضان والمسلمون صائمون!! ابحث؛ وستعلم كم هي شبهات سخيفة تافهة يستحي من ترديدها أي إنسان عنده قدر ضئيل حتى من احترام الذات.

للإستزادة:
رمضان مننٌ وعطاءات
كيف نكون ربانيين في رمضان؟


النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة

  • صيام الست من شوال

    صيام الست من شوال

    صيام الست من شوال… من فضل الله على عباده تتابع مواسم الخيرات، ومضاعفة الحسنات، فالمؤمن يتقلب في…

    .

  • الثبات بعد رمضان

    الثبات بعد رمضان

    الثبات بعد رمضان… قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. نداء موجَّه إلى رسول الله…

    .

  • التاجر المسلم

    التاجر المسلم

    نصيحة للتاجر المسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “التاجر الصدوق…

    .

  • الحجاب في الفطرة والشرائع السابقة

    الحجاب في الفطرة والشرائع السابقة

    حين ينظر المتأمل في تاريخ الإنسان عبر الأمم والشرائع يجد أن معنى الستر والعفة لم يكن طارئًا…

    .

  • صفة الجنة وأهلها

    صفة الجنة وأهلها

    خطبة في ذكر صفة الجنة وأهلها الحمد لله البر الكريم، الرؤوف الرحيم، ذي الفضل العظيم، والإحسان الشامل…

    .

  • أسماء الله الحسنى

    أسماء الله الحسنى

    وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم نبينا محمد…

    .

  • الكبر والحسد

    الكبر والحسد

    الكبر والحسد أكبر عقبات القلب بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه…

    .

  • فوائد تفسيرية

    فوائد تفسيرية

    ﴿یَـٰأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبلِكُمۡ لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٨٣] “ما…

    .

  • التفقه في الدين

    التفقه في الدين

    واجب التفقه في الدين ومعرفة مسائل الفقه للمسلمة في زمنٍ تراكبت فيه المؤثرات، وتشابكت فيه المرجعيات، وتغيرت…

    .

  • ثياب الحياء

    ثياب الحياء

    ألبسي ثياب الحياء الحياء في التصور الإسلامي خُلُقٌ مركزيٌّ له حضورٌ تشريعيٌّ وتربويٌّ، وهو من دلائل كمال…

    .