عاشوراء بين هدي النبي ﷺ وبدع المبتدعين
١- هدي النبي ﷺ في عاشوراء:
لما أنجى الله موسى وأغرق فرعون، صام موسى عليه السلام يوم العاشر من محرم شكراً لله على نعمته وفضله عليه بإنجائه وقومه، وإغراق فرعون وقومه. صامه موسى عليه السلام، وتلقته الجاهلية من أهل الكتاب، فكانت قريش تصومه في جاهليتها، وكان النبي ﷺ يصومه معهم.
قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه». متفق عليه.
قدم الرسول ﷺ المدينة مهاجراً، واليهود إذ ذاك بها، فوجدهم يصومون اليوم العاشر، فسألهم: ما سبب الصيام؟ قالوا: يوم أنجى الله فيه موسى ومن معه، وأغرق فرعون ومن معه، فصامه موسى شكراً لله، فنحن نصومه.
فقال لهم النبي ﷺ: «نحن أحق وأولى بموسى منكم».
أجل، إن محمداً وأمته أولى بموسى، وأولى بكل الأنبياء؛ لأنهم آمنوا بالأنبياء، وصدَّقوا رسالاتهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 68].
فصامه محمد ﷺ شكراً لله على ما منحه موسى عليه السلام، وصامه، وأمر الناس بصيامه، وأرسل إلى قرى الأنصار: «من أصبح صائماً فليتم صومه، ومن أكل فليتم بقية يومه».
فلما افترض رمضان أخبرهم أن من شاء صام، ومن شاء لم يصم، لكنه رغَّبنا في صيامه.
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم يوماً يتحرى فضله على الأيام من هذا اليوم»، يعني يوم عاشوراء، «وهذا الشهر»، يعني شهر رمضان.
وقال أبو قتادة رضي الله عنه: قال رسول الله ﷺ: «صوم يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر سنةً ماضية».
وهذا من فضل الله علينا، أن أعطانا بصيام يوم واحد تكفير ذنوب سنة كاملة، والله ذو الفضل العظيم.
صام النبي ﷺ تسع سنين عاشوراء، وفي العام الأخير قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع»، يعني مع العاشر، وتوفي النبي ﷺ قبل أن يصومه.
وقال لنا: «صوموا يوماً قبله، أو يوماً بعده، خالفوا اليهود».
قال الشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وآخرون: يستحب صوم التاسع والعاشر جميعاً؛ لأن النبي ﷺ صام العاشر، ونوى صيام التاسع.
وقال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبه باليهود في إفراد العاشر.
وعلى هذا، فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب:
1- صوم التاسع والعاشر والحادي عشر.
2- صوم التاسع والعاشر.
3- صوم العاشر وحده.
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «فإن اشتبه عليه أول الشهر صام ثلاثة أيام، وإنما يفعل ذلك ليتيقن صوم التاسع والعاشر».
وصوم عاشوراء، وإن لم يعد واجباً، فهو مما ينبغي الحرص عليه غاية الحرص، وذلك لما يأتي:
1- صيامه يكفر السنة الماضية، ففي صحيح مسلم أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صيام عاشوراء، فقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله».
2- تحري الرسول ﷺ صيام هذا اليوم، روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صوم يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء». [البخاري].
وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس ليوم فضل على يوم في الصيام إلا شهر رمضان ويوم عاشوراء». [رواه الطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات].
3- وقوع هذا اليوم في شهر الله المحرم، الذي يسن صيامه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أفضل الصيام بعد صيام رمضان شهر الله المحرم». [الترمذي، وقال: حديث حسن].
4- كان الصحابة رضي الله عنهم يصومون فيه صبيانهم تعويداً لهم على الفضل، فعن الربيع بنت معوذ رضي الله عنها قالت: أرسل النبي ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار: «من أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائماً فليصم»، قالت: فكنا نصومه بعد، ونصوِّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار. [البخاري: 1960].
5- كان بعض السلف يصومون يوم عاشوراء في السفر، ومنهم ابن عباس، وأبو إسحاق السبيعي، والزهري، وكان الزهري يقول: «رمضان له عدة من أيام أخر، وعاشوراء يفوت»، ونص أحمد على أنه يصام عاشوراء في السفر. [لطائف: 121].

٢- بدع المبتدعين في عاشوراء:
ينبغي على المسلم أن يحذر من البدع الشائعة في يوم عاشوراء، فقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عما يفعله الناس في يوم عاشوراء من الكحل، والاغتسال، والحناء، والمصافحة، وطبخ الحبوب، وإظهار السرور، وغير ذلك، هل لذلك أصل أم لا؟
فأجاب في كتابه مجموع الفتاوى:
الحمد لله رب العالمين، لم يرد في شيء من ذلك حديث صحيح عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا روى أهل الكتب المعتمدة في ذلك شيئاً، لا عن النبي ﷺ، ولا الصحابة، ولا التابعين، لا صحيحاً ولا ضعيفاً.
ولكن روى بعض المتأخرين في ذلك أحاديث، مثل ما رووا أن من اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد من ذلك العام، ومن اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض ذلك العام، وأمثال ذلك.
ورووا في حديث موضوع مكذوب على النبي ﷺ: «أنه من وسع على أهله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر السنة».
ورواية هذا كله عن النبي ﷺ كذب.
ثم ذكر رحمه الله ملخصاً لما مر بأول هذه الأمة من الفتن والأحداث، ومقتل الحسين رضي الله عنه، وماذا فعلت الطوائف بسبب ذلك، فقال:
«”فصارت طائفة جاهلة ظالمة، إما ملحدة منافقة، وإما ضالة غاوية، تظهر موالاته وموالاة أهل بيته، تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، وشق الجيوب، والتعزي بعزاء الجاهلية، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي فيها كذب كثير، والصدق فيها ليس فيه إلا تجديد الحزن، والتعصب، وإثارة الشحناء والحرب، وإلقاء الفتن بين أهل الإسلام، والتوسل بذلك إلى سب السابقين الأولين… وشر هؤلاء وضررهم على أهل الإسلام لا يحصيه الرجل الفصيح في الكلام.»
«فعارض هؤلاء قوم، إما من النواصب المتعصبين على الحسين وأهل بيته، وإما من الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والكذب بالكذب، والشر بالشر، والبدعة بالبدعة، فوضعوا الآثار في شعائر الفرح والسرور يوم عاشوراء، كالاكتحال، والاختضاب، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك مما يفعل في الأعياد والمواسم، فصار هؤلاء يتخذون يوم عاشوراء موسماً كمواسم الأعياد والأفراح، وأولئك يتخذونه مأتماً يقيمون فيه الأحزان والأتراح، وكلا الطائفتين مخطئة خارجة عن السنة.”»
وقال ابن رجب في كتابه لطائف المعارف:

«”وكل ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء، والاختضاب، والاغتسال فيه، فموضوع لا يصح… وأما اتخاذه مأتماً كما تفعل الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي فيه، فهو من عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيام مصائب الأنبياء وموتهم مأتماً، فكيف بمن هو دونهم؟”»
وقال الإمام ابن الحاج المالكي رحمه الله في كتابه المدخل:
«”من بدع عاشوراء تعمد إخراج الزكاة فيه تأخيراً أو تقديماً، وتخصيصه بذبح الدجاج، واستعمال الحناء للنساء.”»
ويفهم مما سبق أن كل من اتخذ يوم عاشوراء عيداً أو يوم حزن فقد فعل بدعة، وقد ضل في يوم عاشوراء طائفتان:
- طائفة شابهت اليهود، فاتخذت عاشوراء موسم عيد وسرور، تظهر فيه شعائر الفرح كالاختضاب، والاكتحال، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك من عمل الجهال الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والبدعة بالبدعة.
- وطائفة أخرى اتخذت عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، لأجل قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، تظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود، وشق الجيوب، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي كذبها أكثر من صدقها، والقصد منها فتح باب الفتنة، والتفريق بين الأمة، وهذا عمل من ضل سعيه في الحياة الدنيا، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
وينبغي أن تكون العبادة، حتى تكون مقبولة، خالصة لوجه الله تعالى، وموافقة لشرعه، ولم يرد في يوم عاشوراء إلا الصوم، وهذا ما ينبغي الحرص عليه، لا غيره من البدع.










