أم للمرّةِ الأولى
في بطءٍ لم يتسنَّ لي أن أعيشهُ في الأشهرِ الماضيةِ القليلةِ، أغمسُ قطعة البسكويت في كأسِ القهوةِ بالحليبِ الساخنِ: “تُرى.. هل تتنفَّسُ جيدًا؟ هل هي مرتاحةٌ؟
سألقي عليها نظرةً ليطمئنَّ قلبي”
-: “الحمدُ للهِ، هي بخيرٍ”
- اليومَ، وبعدَ قرابةِ الثلاثةِ أشهرٍ، أجلسُ أخيرًا لأشربَ قهوتي بالحليبِ، هذا لا يعني أني لم أشربْها خلالَ الأشهرِ الماضيةِ؛ بل شربتُها بكثرةٍ! إنما أني جالسةٌ لأحتسيَها، ولا أدري لو كان بإمكاني إكمالُها، أم ستستيقظُ طفلتي من غفوتِها، ولن تهدأَ إلا بينَ ذراعيَّ.
للمرّةِ الأولى غفتْ وهدأتْ، بعدَ سهرٍ وتعبٍ، بعدَ هزٍّ وهدهدةٍ، بعدَ بكاءٍ لا يتوقفُ إلا بحضنِ ماما.
والتفكيرُ يأخذني لِمَنْ يقلنَ: “اضبطي طفلكِ وتتحكَّمي بهِ، ولا تدعيهِ يتحكَّمُ بكِ، ضعي لهُ روتينًا وستسيرُ الأمورُ كما تخطِّطينَ لها”
“لن يتغيَّرَ يومُكِ كثيرًا، وستقومينَ بكلِّ ما عليكِ، وستحتسينَ قهوتَكِ، وستتنزَّهينَ وتلتقينَ أقاربَكِ كالمعتادِ؛ بل وستخرجينَ لعملِكِ أيضًا، ولا حرجَ ولا عثرةَ”!
ويثبتونَ ذلكَ بصورٍ و”ستورياتٍ” كثيرةٍ، ومنشوراتٍ بنصائحَ وخطواتٍ تؤتي أُكُلَها -بزعمِهنَّ-.
حينَ ترينَهنَّ تحسبينَ أنَّ الحياةَ ورديَّةٌ حقًّا، وأنَّ ما هنَّ بهِ سهلٌ الوصولِ إليهِ.
لا ترينَ ما خلفَ الكواليسِ، بل ولا تعرفينَ لو كنَّ صادقاتٍ أم هي مجرَّدُ لقطاتٍ للحظةٍ واحدةٍ مرتَّبةٍ، وباقي اللحظاتِ مجرد خربةٌ!
حينَ ترينَهنَّ تلومينَ نفسَكِ، ويدخلُ الشيطانُ من مدخلِهنَّ ليوسوسَ لكِ بصوتِكِ؛ لتصدِّقيَهُ:
“لماذا أطفالُهنَّ ينامونَ وطفلي لا ينامُ؟ لماذا يهدؤونَ وطفلي لا يهدأُ؟ لماذا لا يرضعُ؟ لماذا ولماذا؟..”
وصوتك الداخلي يردد : “أنا مقصِّرةٌ، أنا مخطئةٌ، أنا لا أستطيعُ الإكمالَ، أنا متعبةٌ، أنا فاشلةٌ…”
وتدورُ حلقةُ الوساوسِ لتثبِّطَكِ وتُدخلَ اليأسَ والحزنَ على قلبِكِ، قلبِكِ الذي لا يحتاجُ الآنَ إلا ليطمئنَّ ويهدأَ؛ حتى يهدأَ ذاكَ الصغيرُ الذي لا يريدُ النزولَ عن ذراعيكِ.

وإنْ كانَ لي من نصحٍ لكلِّ أمٍّ، وبالأخصِّ التي أصبحتْ أماً للمرّةِ الأولى: لا تُفرِطي في متابعةِ أولئكَ النسوةِ؛ حتى وإنْ كانَ في نصائحِهنَّ خيرٌ وفائدةٌ ممكنةٌ؛ لكنَّ التعلُّقَ بمتابعتِهنَّ والعزمَ على تقليدِهنَّ سيورثُكِ إحباطًا وحزنًا.
فليستِ امرأةٌ كامرأةٍ، ولا نفسٌ كنفسٍ، ولا جسدٌ كجسدٍ، ولا طفلٌ كطفلٍ، ولا بيئةٌ كبيئةٍ، ولا قدرٌ كقدرٍ.
خذي جوهرَ النصحِ نعم، خذي أفكارًا عامَّةً نعم؛ لكن لا تجعليهنَّ مرجعَكِ، ولا تقارني حالَكِ بهنَّ، فكما يُقالُ: كلُّ تجربةٍ تختلفُ عن الأخرى.
ثمَّ فاستمتعي برحلتِكِ، بصعوبتِها قبلَ يُسرِها، بسهرِها قبلَ نومِها، وبتعبِها قبلَ راحتِها، وارضَي بما قسمَ اللهُ لكِ.
ارأفي بنفسِكِ، وخذي وقتَكِ، واطلبي العونَ ولا حرجَ. لا بأسَ ببعضِ الفوضى من حولِكِ الآنَ، وليسَ بأمرٍ عظيمٍ أن يتكوَّمَ بعضُ الغسيلِ هذه الليلةَ.
استمتعي برحلتِكِ؛ فهيَ أيَّامٌ تمضي، وذاكَ الصغيرُ الباكي سيصبحُ صغيرًا راكضًا -بإذنِ المولى-، وستركضينَ خلفَهُ لتُصلحيَ ما كسرَهُ وخرَّبَهُ، ثمَّ تجلسانِ سويًّا تشربانِ الحليبَ الساخنَ.
ولن تلبثا إلا وقد جاءَ الصغيرُ بصغيرٍ لهُ هوَ؛ فالأيَّامُ تمضي كالبرقِ مسرعةً.
للمزيد:
لا تدعيهم يسلبوكِ أحلامك الوردية
مفاهيم عظيمة لتربية مستقيمة










