على ضفاف اليقين

على ضفاف اليقين

ألقى نظرةً عامةً على وجوه العابرين في الطرقات، ثم أتبعها بنظرة صقرٍ جارح، متجاوزاً الوجوه إلى الأعماق، فذوت ذُبالته أسىً مما أبصر.
​أدار ظهره، ثم تناول ريشة وصحيفة من حقيبته الجلدية وكتب:

«ما لي أرى جفناً مسهّداً، وقلباً قرضته نبضات الهلع من فوات الأشياء، وأنفاساً متلاحقة وكأن صاحبها في سباق؟! ودفتراً خَضَّبَتْهُ الْمَحَابِرُ، فصار ليلًا من مخطوطاتٍ بتراء، لآلاف التدابير والمنهجيات الأرضية للنجاح والرزق، نابعة من روح خالية من التسليم، عاجزة عنه، معادلتها خالية من تفكّر معنى تدبير الله -عز وجل- وعظيم قدرته!».

​كُفَّ عَنْ نَسْجِ خُيُوطٍ تبدأ من الأرض ثم مَا تَلْبَثُ أَنْ تضمحل من مبتداها، ومُدّ حبلك نحو السماء!

​ستظلّ تتخبط كخيمة بلا أوتاد في يوم عاصف، تنقّب عن الأسباب، وتجمع السبب إلى أخيه: سيحلّها فلان، وسيأتي بها علان.. وما دامت سعادتك مرهونةً بقوانين بشرية، أو رضا أشخاص عنك -في غير ما أوجب الله إِرْضَاءَهُمْ- أو الوصول لمرتبة معينة.. فقد اخترت لنفسك سجنًا بالأعمال الفكرية والقلبية الشاقة.

​تأمّل هذه الآية العظيمة:
﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16]

​ضع حبة الخردل على إصبعك، ثم تأمل كم يساوي حجمها مقارنة بجسدك؟!
وكم يساوي حجمها بالنسبة للغرفة التي تجلس فيها؟! كَمْ ضِعْفًا؟!
أَعْلَمُ أنك عجزتَ عن التخيّل… فما بالك بحجمها مقارنة بالسموات والأرض؟!

{يَأْتِ بِهَا اللَّهُ}.. وكفى!
سلّم، وحسب.

يقين


أنت تعبد رباً عظيماً مُنَزَّهًا عن النقص، فيه كل صفات الكمال، لا كَالْآلِهَةِ التي تخيلها النصارى -في معتقدهم المحرّف- أو الهندوس والإغريق والفلاسفة… سبحانه وتعالى عما يصفون.
يجد المرء في تخيلاتهم ونعتهم لآلهتهم تَنَاقُضًا عَجِيبًا وَقُصُورًا… فيحمد الله على الهداية، وعلى عظمته سبحانه؛ فهو رَبٌّ مُنَزَّهٌ عن السهو، والنسيان، وَالسِّنَةِ، والقصور.. لا يعجزه شيء، ولا حدود لقدرته!

​أما البشر.. فأي بشريّ على وجه الأرض تنتهي سلطته عند حدود جغرافية معينة، أو تقف عند صلة قرابةٍ محددة، فإذا جاوزها غَدَا فرداً عادياً مجرداً من تلك السلطة، أو على رتبة وظيفية محددة إن أُقيل منها.. انفكت عُرَى قدرته.

لكن الله -عز وجل- هو الواسع، ملك الملوك، المهيمن.
​فهو سبحانه مسخّر الريح لسليمان -وأمام هذا المشهد يُبْهَتُ علماء الفيزياء-، وبقدرته وأامرِه تكلّم الصبيّ في المهد -فتتضاءل مُسلّمات الطب-، وبلطفه وقدرته حفظ فتية الكهف من كُلِّ مَا يَسُوءُهُمْ، وحفظ أجسادهم؛ فكيف استمرت منظومة الرَّشْحِ الْكُبَيْبِيِّ في الكلية دون عطب طوال تلك السنين؟! محالٌ هذا الأمر دون إلهٍ مدبّر! ابحث في أي مرجعٍ فَلَنْ تَجِدَ إِنْسَانًا يستطيع أن يعيش أسبوعاً دون قطرة ماء، فكيف بمئات السنين؟!

​تأمل ما قال الرافعي:
“إنّ ما في يدِ اللهِ لا يُوزَّعُ بقوانينِ الناس!”

فَاطْمَئِنَّ، إنّ الله وحده يدبّر لك.
لا محسوبيات، ولا واسطات، ولا إلغاءَ لاسْمِك لأنك تقرب لفلان، ولا تقديمَ لمتأخرٍ لأنه نثر الذهب.. حاشا لله!
​فانفض غبار التعلّق بالتراب عن قلبك (مكان، عملة نقدية، أشخاص، أشياء…)، وارفع بصرك نحو الخالق المدبّر؛ يَصْفُ مَشْرَبُكَ، وتطيبُ حياتُك، وتهدأ وتيرةُ قلبك.

​واسْعَ بقَدَر!
فلا يدفعنّك هذا القول للتواكل؛ ابذل وسعك كله، لكن لَا يَكُنْ كل تعويلك عليه وكأنه قائمٌ بذاته.. فما تقوم الأشياء ولا يحصل المراد منها إلا بأمر الله وإرادته؛ فما شاء ربي كان، وما لم يشأ لم يكن.


هاكَ كرسيّاً لقلبك يستريح عليه من وعثاء الدنيا وصخبها، واجنح للتسليم واليقين؛ فما في الدنيا وسادةٌ للمُثْقَلِ أهنأ منه.
​رزقنا الله وإياكم التسليم التام لأمره.

للمزيد:
﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾
أقم نفسك على اليقين!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة