حينما ظننتُ الصبر سهلاً!

حدثتني نفسي كثيراً عن سهولة الصبر، واستغربتُ كثيراً بيني وبين نفسي من أجر وأثر الصبر، كنتُ أرى أن هناك من التكاليف ما هو أعظم مشقة من الصبر؛ فلماذا الصبر أعظم أجراً؟! وكم كنتُ جاهلة!

غَرَّتني نفسي كثيراً بأن مجرد “القراءة” عن الصبر، والإيمان بالقضاء والقدر وحسن التوكل على الله عز وجل تكفي، ليكون الإنسان صبوراً منذ اللحظة الأولى لأي ابتلاء؛ وكم كنتُ مغرورة!

​نعم، الصبر بالتصبّر، وتدريب النفس على الصبر في ساعات الرخاء مهم، ونعم القراءة في هذه الأمور السالف ذكرها مهمة جداً ومفيدة، والتزكية المستمرة للنفس لازمة، لكن يبقى جانب معية الله سبحانه وتعالى وتسديده وتوفيقه، ويبقى صدق الإلتجاء إليه والتوكل عليه عملاً لا قولاً فقط، ويبقى الإخلاص لله في كل صغيرة وكبيرة، ويبقى أن يحيا الإنسان فعلاً لله وبالله، وهذا أمر عظيم لو تعلمون!

​استفقتُ من أوهامي حينما قرر صغيري الخروج لمعافسة الحياة، ليعمل ويتحمل المسؤولية؛ لأنه صار رجلاً -كما يقول- لا تصلح له جلسة البيت كـالنساء، حفظه الله وبارك فيه. وافقتُ فوراً وبدأ في العمل مع شخص أمين ولله الحمد. وذات يوم خرجا معاً من البلدة للعمل في بلدة مجاورة، سار الأمر طول اليوم عادياً إلى أن اقترب الليل، وبدأ قلبي في الاضطراب وشعرتُ كأن روحي خرجت من جسدي من شدة الخوف عليه لأنه لم يعد بعد.
وبدأ عقلي الباطن وشيطاني يرسمان لي أسوأ “السيناريوهات”، وتلك الروح تأبى السكون أو العودة للجسد كما ينبغي!
​أشفق زوجي عليَّ من شدة الخوف، وظل يذكرني بالله ويخبرني أن أحسن الظن وأنتظر الخير، خاصة وأنه لا شيء سيئ حدث أصلاً، ويذكرني بكلامي أنا عن الصبر حتى في أسوأ الظروف والمواقف، والقدر وغير ذلك.
وكنتُ أستمع له وأُقِرُّ له بكل كلامه، ولكن من يُقنع ذاك القلب الملتاع وتلك الروح المضطربة؟!
​لم تَمُرَّ إلا دقائق، وعاد رجلي الصغير مبتسماً سعيداً فخوراً بنفسه وبتجربته الجديدة التي زادته تمسكاً بالعمل، فنظر إليَّ زوجي نظرة عتاب وشفقة! حين رأى روحي التي عادت لجسدي أخيراً على قسمات وجهي.

​بعد أن هدأت نفسي، تفكرتُ في الموقف كله، وعلمتُ لماذا الصبر مرّاً وصعباً، ولماذا أجره عظيم، ولماذا يُمتدح الصابرون؟
علمتُ معنى أن يخرج الإنسان من حوله وقوته إلى حول الله عز وجل وقوته، فالإنسان بغير الله لا شيء، لا شيء أبداً!
​وغاص عقلي في سير الصحابيات -رضوان الله عليهن جميعاً- وكيف كنَّ جبالاً بالفعل وقوة عظيمة للمسلمين في ذاك الوقت، واستشعرتُ مدى إيمان إحداهنَّ حين تجود بالابن تلو الابن في ساحات الجهاد ليرفعوا راية الدين وينصروه، ولم تتبدل مواقفهنَّ ولم تتزعزع أنفسهنَّ رغم ما يلاقينَ من الحزن والألم لفراق فلذات أكبادهن، رضي الله عنهن جميعاً.

​بل أخذني عقلي -حين تقدم على القلب والنفس- إلى نساء المسلمين في زماننا هذا في البلاد المستضعف أهلها، كيف يطقنَ ويصبرنَ على الجود بفلذات أكبادهن.
​علمتُ أن الميزان حقاً هو الإيمان، الإيمان الحقيقي وليس مجرد شعارات أو كلام أو مظاهر جوفاء، وعلمتُ كم أن سلعة الله غالية، وكم أن الإنسان ضعيف بنفسه مهما ظن قوته وفطنته وعلمه، قوي بربه سبحانه وتعالى.
​علمتُ فعلاً معنى العبودية، أو أظنني علمت، فلم أعد أثق إلا بتوفيق ربي ومعيته، فكم خادعتني نفسي سابقاً ولا يكشف خداعها إلا امتحانات الصدق!

​فاللهم ربنا أخرجنا من حولنا وقوتنا إلى حولك وقوتك، ولا تكلنا لأنفسنا طرفة عين.

للمزيد:
من الليل إلى الفجر: رحلة الصبر واليقين
الابتلاء رحمة ورفعة لمن صبر واعتبر

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة