انقطع الوحي لأيام عن الخليل المصطفى صلى الله عليه وسلم، فَتَرَكَ ذَلِكَ في قلبه لوعة لا تنطفئ إلا بعودة ذلك الوصال السماوي المؤنس. وزاد لوعته اشتعالًا رمي المشركين عليه بكلام مَا طَاقَهُ قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله آيات كريمات خلد فيهن تلك الأشواق النبوية:
﴿وَٱلضُّحَىٰ (١) وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ (٣)﴾؛ فجاء في هذه الآيات ما يُثلج صدر النبي ﷺ ويبرئ جراحه، وورد في تفسير العلامة السعدي لهذه الآيات المباركات تدبراً بديعاً حيث قال
”أقسم تعالى بالنهار إذا انتشر ضياؤه بالضحى، وبالليل إذا سجى وادلهمت ظلمته، على اعتناء الله برسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾؛ أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أهملك منذ رباك ورعاك، بل لم يزل يربيك أحسن تربية، ويعليك درجة بعد درجة. ﴿وَمَا قَلَى﴾؛ أي: ما أبغضك منذ أحبك؛ فإن نفي الضد دليل على ثبوت ضده… فهذه حال الرسول صلى الله عليه وسلم الماضية والحاضرة: أكمل حال وأتمها، محبة الله له واستمرارها، وترقيته في درجات الكمال، ودوام اعتناء الله به”.

وكأن ربنا سبحانه وتعالى يقول لخليله مواسيًا إياه:
وأنوار الشمس في ساعة الضحى وسكون الليل وظلمته؛ مَا وَدَّعَكَ ربك وَمَا أَبْغَضَكَ.
كلمة “ربك” تطيل بك الوقوف عندها، تشرح بمفردها تلك الخصوصية والوصال المتين الجميل بين الرب وخليله صلى الله عليه وسلم. فكيف بعد هذه الصلة يبغضه ويودعه؟
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ (٣)﴾
وفي هذه الآية بالتحديد رد ودفاع من الله على ما رَمَاهُ بِهِ المُشْرِكُونَ؛ حيث جاء أن أم جميل امرأة أبي لهب قالت له: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك.
لاحول ولا قوة إلا بالله! كيف تلقى قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم هذا!
وسبحان العظيم! فتور الوحي كان يراه المشركون حجة لهم يمسكون النبي صلى الله عليه وسلم عليها ليبطلوا ما جاء به ويقولون إنه كلام مؤلف من عنده؛ لكن العجيب أنها دحضت حجتهم وقلبت عليهم؛ فلو كان القرآن منه حقًا فَلِمَ يُوقِفُهُ ويجعل أعداءه يشككون في مصداقيته؟ إنما دلت هذه الفترة على صعوبتها على أن القرآن من عند الله سبحانه.
﴿وَٱلضُّحَىٰ (١) وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ (٣)﴾
سبحان الله! في هذه الآيات رقة ومواساة ربانية تعجز الكلمات عن سعتها وإيصالها!
(تفسير السعدي – تيسير الكريم الرحمن فيخ تفسير كلام المنان)










