همسة 9
متى رأى الإنسانُ نفسه ضعيفةً؛ أدرك أنَّ هُناك ربٌّ يُفرِّج الكُربات ويُنزِّلُ الرَّحمات، ويهب القوَّة وقت الضعف، والأمل وقت اليأس، لكنَّ الإنسانَ المؤمن يُدرك هذه الحقيقة دائمًا في السرَّاءِ والضرَّاء، ووقتَ القوَّةِ والوهن، يوقنُ أنه لن يكون قويًا بغير الله، ولن يكون سعيدًا بغير الله، ولن يكونَ بخيرٍ أبدًا إن كانَ بعيدًا عن اللّٰه.
فاللهم اجعلنا مؤمنين بقضائكَ راضيين به، واجعلنا اللهمَّ بك أقوياء وبدونك وُهناءَ ضُعفاء.
همسة 10
يقول مصطفى لطفي المنفلوطي:
” إن العظيم عظيمٌ في كل شيء، حتى في أحزانه وآلامه. “
يا عزيزي يبلغ بالمرء الحزنُ مبلغَه حتى لكأنَّه يفتُّ أكباده فتًّا، فيأتيه من يشكو إليه ضيقَ عيشه وتكدُّر حاله، فتراه يمسح الدمع عن وجنتَي شاكيه، ويخفف عنه من حزنه، ويعطيه من الأدلَّة والبراهين على جزاء من تألَّم فصبر، وسقط ثم نهض؛ ليطمئنَّ فؤادُه، وتقوى إرادتُه.
يحدِّثه بأنَّ الدنيا ليست دارَ راحة، بل هي دارُ تعبٍ وشقاء، ولا عجب أن تلمَّ به هذه الأوجاع.
فترى المشتكي ينظر إلى من شكا إليه منشرحَ الصدر، هادئًا في حديثه، وبريقُ الأمل يملأ عينيه، حتى ليُخيَّل إليه أن ريبَ المنون ما مرَّ بهذا الرجل قط، بل كأنه ما عرف الحزنَ والبكاء يومًا.
وهو لا يعلم أنَّه يحدِّثه وفي داخله قلبٌ يعتصر ألمًا، لكنه كابد وقاوم؛ ليكون الأملَ لمن فقد الأمل، ولأنه عظيمٌ حتَّى في ألمه، فلا يريد أن يشكو مخلوقًا، وثمَّ قاضي الحاجات فوق سبع سماوات، فغطَّى على جراحه خلف ظهره، حتى يخاله الناس لا يعرف للحزن سبيلًا.

همسة 11
بُنيَّتي:
وجبَ عليَّ اليومَ الهمسُ في أُذنيكِ بهذهِ الكلماتِ، لعلَّها تكونُ غطاءً لقلبِكِ المرتجفِ، وجرعةَ اطمئنانٍ لنفسِكِ القلقةِ المضطربةِ.
اسمعي منِّي ما يورثُكِ الوعيَ؛ كي تعيشيَ باطمئنانٍ من غيرِ تربُّصٍ أو قلقٍ.
احفظي قلبَكِ، بُنيَّتي، فإنِّي قد رأيتُ من حالِ الفتياتِ ما يُدمي القلبَ ويكسرُهُ، بل يفتُّهُ فتًّا.
رأيتُ اللواتي سلَّمنَ قلوبَهُنَّ لهواهُنَّ وما يريدُ، وما ضبطنَ مشاعرَهُنَّ بالدينِ والعقلِ، بل تركنَها ترغبُ كيفَ تشاءُ، وينفِّذنَ لها ما تريدُ دونَ ضوابطٍ أو أيِّ موانعَ.
رأيتُ اللواتي أطلقنَ أبصارَهُنَّ، فكانتْ بدايةَ طريقِ الفسادِ والمهلكةِ.
وللهِ درُّ القائلِ:
كم نظرةٍ فتكتْ في قلبِ صاحبِها ** فتكَ السهامِ بلا قوسٍ ولا وترٍ
كلُّ الحوادثِ مبدأُها من النظرِ ** ومعظمُ النارِ من مستصغرِ الشررِ
أوليستِ العينُ بريدَ الزنا؟ فلو أنَّ الفتاةَ كفَّتْ بصرَها عمَّا يثيرُ الشهواتِ ويهدمُ الحياءَ والأخلاقَ، لما أقدمتْ على أمرٍ معيبٍ أو حرامٍ؛ لأنَّها تستعظمُهُ وتراهُ من الكبائرِ.
لكنَّ من أكثرَ النظرَ أَلِفَ الفعلَ، ولم يعدْ يستقبحُهُ؛ لجريانِهِ مجرى الدمِ في عروقِهِ.
لذلكَ، بُنيَّتي، احذري أن تكوني صيدًا سهلًا لأيِّ ذئبٍ بشريٍّ، في الواقعِ أو المواقعِ، فإنَّهم، واللهِ، مهما بدا لكِ من صفاءِ نواياهم وحسنِ معاملاتِهم، فهم لا يضمرونَ لكِ إلا شرًّا.
ومهما حاولوا أن يُبدوا لكِ صلاحَهُم والتزامَهُم، فما هم إلا شياطينُ ارتدوا عباءةَ التديُّنِ.
وكيفَ يصدِّقُ قلبُكِ، يا بُنيَّةُ، أنَّهُ شخصٌ ملتزمٌ، وأنتِ ترينَ الحرامَ يرتكبُهُ بأمِّ عينيكِ، بل يمارسُهُ معكِ، وقد كنتِ لهُ شريكةَ الشرِّ؟
وإلَّا، لو كانَ صالحًا حقًّا، لقالَ لكِ من أوَّلِ حديثٍ أو لقاءٍ:
“هذا لا يجوزُ شرعًا، يا فتاةُ، ولكلِّ حاجةٍ بابٌ يُولَجُ منهُ في دينِنا.”
لكنَّهُ، كما قلتُ لكِ، هو فقط لبسَ أمامَكِ عباءةَ التديُّنِ، وحالَ تمكُّنِهِ منكِ سيخلعُها فورًا.
لذا، خذيها منِّي نصيحةً، يا غاليةُ:
صوني عينَيْكِ من النظرِ إلى الحرامِ؛ كي لا تنجرِّي إليهِ، فالنظرُ زنا العينِ.
وصوني قلبَكِ من أن تتعلَّقي بشخصٍ قد يكونُ هو بابَ العذابِ الذي اخترتِ بنفسِكِ دخولَهُ.
وخذيها منِّي قاعدةً أيضًا:
متى ما أبعدتِ نفسَكِ عن مواطنِ الريبةِ التي ترينَ أنَّها بابٌ للفسادِ، فقلبُكِ ودينُكِ بخيرٍ، بإذنِ اللهِ.
والسلامُ لقلبِكِ الأبيِّ.
للمزيد:
بريد تحمله الغيوم دون أن يبتل..
الخطوة التي لا بد منها .. الإعداد










