سلسلة تعاملات النبي ﷺ مع أهله من كتاب “كيف عاملهم ﷺ” ج 11: تربية النبي ﷺ لنسائه؛ ليكن قدوة لنساء المؤمنين
مع ذلك المزاح، وتلك المداعبات، والملاطفات إلا أن رسول الله ﷺ كان حريصاً على تربية نسائه؛ ليكنَّ المثل الأعلى لغيرهن، منطلقاً في ذلك من مسئوليته عليهن وهو الزوج، وهو القائل: «إنَّ الله سائل كل راعٍ عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيّع ؟ حتى يسأل الرجل على أهل بيته.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على النَّاسِ راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم ).
فالرجل مسئول عن تعليم زوجته، وإرشادها، وتوجيهها التوجيه الصحيح، وما شاعت المنكرات في حياة كثير من الزوجات إلا بسبب تفريط الرجال في تعليمهن أمور دينهن، وتقصيرهم في توفيتهن حقوقهن.
كان يربي زوجاته على العبادة والتقرب إلى الله بالنوافل:
عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت : استيقظ رسول الله ﷺ ليلة فزعاً يقول: «سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات – يعني أزواجَه- ؛ لكي يصلين، ربَّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة.
فلما اطلع رسول الله ﷺ على ما فتحه الله تعالى في يوم واحد من خزائن الثواب، وما أنزله من الفتن؛ قام من نومه فزعاً من دهشته؛ لكثرة الخير والشر.
وتعجب من غفلة البشر عما يحدث حولهم من فتح خزائن الخير، وفتح أبواب الفتن مما يدعو إلى الرغبة والرهبة، والجد في العبادة؛ ولذلك أمر بإيقاظ زوجاته للصلاة.
وأشار بذلك إلى أنه ينبغي لهنَّ أن لا يتغافلن عن العبادة، وأن لا يعتمدن على مجرد كونهن أزواج النبي .
وفي الحديث: إيقاظ الرجل أهله بالليل للعبادة لا سيما عند آية تحدث.
وإذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظهن للقيام والعبادة
عن عائشة ربها قالت : «كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». فكان النبي يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان للصلاة بالليل، والذكر، والدعاء، وأما في سائر السنة فكان إيقاظه لهم للوتر خاصةً؛ فإنه من أكد السنن الرواتب. فعن عائشة رضي عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل، فإذا أوتر قال: (قومي، فأوتري يا عائشة).
ويربيهنَّ على الإخلاص لله في العبادة
عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الصبح، ثمَّ دخل في المكان الذي يريد أن يعتكف فيه ، فأراد أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان فأمر فضرب له خباء، فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة، فضربت قبة، وسمعت زينب بها فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغداة أبصر أربع قباب، فقال: «ما هذا؟!»، فأخبر خبر هنَّ، فقال: «آلبر تردن».
وفي رواية: «ما حملهنَّ على هذا ؟ البر ؟!»، فأمر بخبائه فقوّضَ [أي: قلع وأزيل]، وقال:
انزعوها فلا أراها، فنزعت، فلم يعتكف في رمضان، واعتكف في العشر الأول من شوال.
فقال هذا الكلام إنكاراً لفعلهنَّ، وسبب إنكاره أنه خاف أن يكن غير مخلصاتٍ في الاعتكاف، بل أردن القرب منه؛ لغيرتهنَّ عليه.
قال ابن حجر رحمه الله : « وكأنه خشي أن يكون الحامل لهنَّ على ذلك المباهاة والتنافس الناشئ عن الغيرة؛ حرصاً على القرب منه خاصةً، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه.
وكان ﷺ يعلم زوجته الاستعاذة من الشرور:
فعن عائشة رضي الله عنها قالت : أخذ رسول الله ﷺ بيدي، ثم أشار إلى القمر، فقال: «يا عائشة استعيذي بالله من شر هذا، فإنَّ هذا هو الغاسق إذا وقب».
الغاسق هو : الظلمة، إذا وقب: غاب، وأكثر المفسرين أن الغاسق هو الليل.
وإنما أمر بالتعوذ من الليل؛ لأنَّ الآفات تنتشر فيه.
وكون الغاسق هو الليل لا يعارض ما في الحديث من أنه القمر؛ لأن القمر آية الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه.
وفي الحديث : بيان اهتمام النبي ﷺ بتعليم زوجته، حيث أخذ بيدها، ثم أشار إلى مراده، ثم أمرها بالفعل، وبين لها السبب.
ويعلمهن الأذكار النافعة كأذكار الصباح والمساء:
عن جويرية رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟»، قالت : نعم،
فقال: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرّات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن :
سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته».
أي : لو قوبلت الكلمات الأربع التي قلتها ثلاث مرّات، بما قلت من أول نهارك من الأذكار؛ لساوتهنَّ.
فقد يكون بعض الأذكار أفضل من بعض؛ لعمومها، وشمولها، واشتمالها على جميع الأوصاف الذاتية والفعلية، فيكون القليل من هذا النوع أفضل من الكثير من غيره.
فدلها وأرشدها تخفيفاً لها وتكثيراً لأجورها، من دون تعب ولا نصب.

وكان ﷺ يرشدهن للأفضل والأيسر في العبادة:
عن عائشةَ رضي الله عنها أنها قالت : كنتُ أحب أن أدخل البيت، فأصلي فيه، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي، فأدخلني في الحجر ، فقال : (صلّي في الحجر إذا أردتِ دخول البيت؛ فإنّما هو قطعة من البيت).
في هذا الحديث : كيف أنَّ النبيَّ ﷺ أخذ بيد زوجته، ثم بين لها أن الحجر من البيت، فمن أراد أن يصلي داخل الكعبة؛ فليصل في الحجر.
وكان يأمر أهله بالاقتصاد في العبادة وعدم التشديد على النفس:
فعن أنس بن مالك رض الله عنه قال : دخل رسول الله ﷺ المسجد، فإذا حبل محدود بين الساريتين، فقال: «ما هذا الحبل ؟»، قالوا: هذا حبل لزينب، تصلي، فإذا كسلت، أو فترت؛ أمسكت به، فقال: «حلّوهُ، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا كسل أو فتر فليقعد».
قال النووي: «فيه : الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاط، وأنه إذا فتر فليقعد حتى يذهب الفتور.
ولما ذكرت له عائشة حال امرأة تقوم الليل ولا تنام، كره ذلك:
عن عروة بن الزبير أنَّ عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أنَّ الحولاء بنت تويت مرت بها وعندها رسول الله ﷺ، فقلتُ : هذه الحولاء بنت تويت وزعموا أنها لا تنام الليل، فقال رسول الله ﷺ: «لا تنام الليل ؟! خذوا من العمل ما تطيقون، فو الله لا يسأمُ اللهُ حتّى تسأموا».
أراد بقوله: «لا تنام الليل» الإنكار عليها، وكراهة فعلها وتشديدها على نفسها.
وكان يحثهن على المداومة على الأعمال الصالحة، وإن كانت قليلة
عن عائشةَ رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل». قال القاسم بن محمد : وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته». قال ابن الجوزي: «إنما أحبَّ الدائم لمعنيين : أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض عنه. والثاني: أن مداوم الخير ملازم الخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتاً ما، كمن لازم يوماً كاملاً ، ثم انقطع.
وكان يعظ زوجاته ويحثهن على الصدقة والإنفاق في الخير:
فعن عائشةَ رَضَي الله عنها أَنَّ رسول الله ﷺ قال لها : يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان.
شق التمرة نصفها وجانبها، والمعنى: ولو بشيء يسير منها، أو من غيرها.
فرسول الله ﷺ يحث عائشة على أن تجعل بينها، وبين النار ستراً من الصدقة، وعمل البر، ولو بالشيء اليسير، فاليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار.
وعن عائشة رضي عنها قالت : دخل علي سائل مرّةً، وعندي رسول الله ﷺ، فأمرت له بشيء، ثم دعوت به، فنظرت إليه، فقال رسول الله ﷺ: «أما تريدين أن لا يدخل بيتك شيء، ولا يخرج إلا بعلمك»، قلت : نعم ، قال : مهلاً يا عائشة، لا تحصي؛ فيحصي اللهُ عليكِ»
والإحصاء: معرفة قدر الشيء وزناً أو عدداً، والمعنى : النهي عن منع الصدقة؛ خشية النِّفادِ، فَإِنَّ ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة؛ لأنَّ اللهَ يثيب على العطاء بغير حساب، ومن لا يحاسب عند الجزاء؛ لا يحسب عليه عند العطاء، ومن علم أنَّ اللهَ يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يعطي ولا يحسب »
وعندما ذبح أهل النبي ﷺ شاة، سأل النبي ﷺ: «ما بقي منها؟»، قالت عائشة: يا رسول الله ما بقي إلا كتفها ، فقال : «كلها قد بقي، إلا كتفها»
أي : ما تصدقت به فهو باق ، وما بقي عندك فهو غير باق، إشارة إلى قوله تعالى: {مَا عِندَكُمْ ينفد وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاق} [النحل : ٩٦]
كان ﷺ يبين لزوجاته أن أكثرهن تصدقاً أسرعهن لحاقا به :
عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله ﷺ: «أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً»،
قالت : فكن يتطاولن أيتهنَّ أطول يداً ، قالت : فكانت أطولنا يداً زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها، وتصدق.
ومعنى الحديث : أنهنَّ ظننَّ أنَّ المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، وهي الجارحة، فكن يذر عن أيديهن بقصبة ، فكانت سودة أطولهنَّ جارحة، وكانت زينب أطولهن يداً في الصدقة وفعل الخير، فماتت زينب أولهنَّ، فعلموا أنَّ المراد طول اليد في الصدقة والجود».
فهذا الحديث تضمن أنَّ الإيثار والاستكثار من الصدقة في زمن القدرة على العمل سبب للحاق بالنبي ﷺ ، وذلك الغاية في الفضيلة.
وكان يربيهنﷺ على البر والصلة:
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن علي أفلح أخو أبي القعيس بعدما أنزل الحجاب، فقلت: لا آذن له حتى أستأذن فيه النبي ﷺ، فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل علي النبي ﷺ ، فقلتُ له: يا رسول الله إِنَّ أفلح أخا أبي القعيس استأذن، فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وما منعك أنْ تأذني لعمكِ؟»، قلت: يا رسول الله إِنَّ الرّجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فقال: «ائذني له؛ فإنَّه عمكِ، تربت يمينك».
للمزيد:
التفقه في الدين










