سلسلة بيتكِ أمانة فلا تُضيعيه 1

|

الأسرة في الإسلام… أمانةٌ قبل أن تكون علاقة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

لم ينظر الإسلام إلى الأسرة على أنها رابطة اجتماعية فحسب، ولا عقدًا ينظم المصالح الدنيوية، وإنما جعلها أمانةً شرعيةً، ومسؤوليةً عظيمةً يسأل الله عنها كل من تولى شأنًا فيها.

قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6].

فبدأ الله بإصلاح النفس، ثم إصلاح الأهل؛ لأن البيت هو أول موطنٍ تُغرس فيه العقيدة، وتُبنى فيه الأخلاق، ويُنشأ فيه الجيل.

وقال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته…» متفق عليه.

هذه المسؤولية ليست مسؤولية نفقةٍ وطعامٍ وكسوةٍ فحسب، بل هي مسؤولية دين، وتربية، وأخلاق، ورحمة، وعدل، وأمرٍ بالمعروف، ونهيٍ عن المنكر.

ولذلك كانت الأسرة في الإسلام عبادةً يتقرب بها العبد إلى الله، وليست علاقةً تحكمها الأهواء، أو الأعراف، أو الثقافة السائدة.

الأمانة التي غفل عنها كثير من الناس

ومن أعظم أسباب اضطراب البيوت اليوم أن كثيرًا من الأزواج والزوجات ينظرون إلى الزواج على أنه طريقٌ لأخذ الحقوق، لا ميدانٌ لأداء الواجبات.

فالزوج يطالب بحقه، وينسى ما أوجبه الله عليه.

والزوجة تطالب بحقها، وتغفل عما أوجب الله عليها.

ولو أن كل واحدٍ بدأ بما ألزمه الله به، قبل أن يطالب بما له، لاستقامت بيوتٌ كثيرة.

ولهذا قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58].

والأسرة من أعظم الأمانات التي تدخل في عموم هذه الآية.

البيت الصالح لا يقوم على الحب وحده

ومن الأخطاء المعاصرة تصوير الزواج على أنه شعورٌ عاطفي مجرد، فإذا ضعفت المشاعر انهار البناء كله.

أما القرآن فقد جعل أساس الأسرة أعظم من ذلك؛ فجعلها قائمة على:

الإيمان.

وتقوى الله.

والعدل.

والرحمة.

والقيام بالحقوق.

والصبر.

وحسن العشرة.

العاطفة نعمة، لكنها ليست الأساس الذي يقوم عليه البناء، وإنما ثمرةٌ من ثمار الطاعة، تزيد بالطاعة، وتضعف بالمعصية.

قبل أن تسأل: ماذا أخذت؟

اسأل نفسك:

ماذا قدمت؟

هل حفظت الأمانة؟

هل ربيت أبناءك على الصلاة؟

هل علمتهم التوحيد؟

هل كنت قدوةً في أخلاقك؟

هل حفظت لسانك من الظلم والإهانة؟

هل كان بيتك بيتًا يُذكر فيه الله، أم بيتًا تمتلئ جدرانه بالصراخ والخصومات والغفلة؟

فإن البيوت لا تُهدم غالبًا بسبب ضيق الرزق، وإنما تهدم حين تضيع الأمانة التي أمر الله بحفظها.

وقفة

قبل أن تطالب بحقوقك، تذكر أنك ستقف بين يدي الله وحدك، ولن يسألك سبحانه: كم أخذت من أهلك؟ بل سيسألك: كيف أديت الأمانة التي حملك إياها؟

﴿وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24].

نسأل الله أن يجعل بيوتنا عامرةً بالإيمان، وأن يرزقنا أداء الأمانة كما يحب ويرضى، وأن يصلح أحوال المسلمين، ويؤلف بين قلوبهم، ويجعل بيوتهم سكنًا ومودةً ورحمةً.

ما الغاية التي من أجلها بُني بيتك؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست المشكلة الكبرى في بيوتنا أن الخلافات كثرت، ولا أن ضغوط الحياة ازدادت، ولا أن النفوس تغيرت؛ فهذه أمور صاحبت البشر منذ خلقهم الله.

لكن المشكلة الأعمق أن كثيرًا من البيوت فقدت الإجابة عن سؤال واحد…

لماذا اجتمعنا أصلًا؟

قد يبدو السؤال غريبًا، لكنه السؤال الذي تتحدد على جوابه حياة الأسرة كلها.

فالبيت الذي يعرف أهله غايته، يستطيع أن يتجاوز كثيرًا من العثرات، أما البيت الذي ضاعت غايته، فإنه يتعب من أول اختلاف، ويضعف عند أول ابتلاء، لأن كل واحد فيه يسير في طريق، بينما يظن أنهما يعيشان في بيت واحد.

حين تتحول الغاية… يتغير كل شيء

حين يدخل الرجل إلى الحياة الزوجية وهو يرى أن الزواج وسيلة ليجد من تخدمه، وتدخل المرأة وهي ترى أنه الطريق الوحيد لتنال ما حُرمت منه من اهتمام أو تقدير، فإن كل موقف بعد ذلك سيُقاس بميزان المكاسب والخسائر.

فإذا قصَّر أحدهما يومًا، شعر الآخر أنه خُدع.

وإذا تأخر حق، نسي ما بقي من الحقوق.

وإذا ضعفت المشاعر، ظن أن الزواج كله قد انتهى.

وهكذا يتحول الميثاق الغليظ إلى علاقة استهلاكية، يحاسب فيها كل طرف الآخر على ما أخذ، لا على ما أعطى.

البيت ليس مكانًا للسكن فقط… بل لصناعة الإنسان

حين خلق الله الأسرة، لم يجعلها مجرد مأوى يأكل فيه الإنسان وينام.

وإنما جعلها المدرسة الأولى التي تتكون فيها العقائد، وتتشكل فيها الأخلاق، وتنمو فيها النفوس.

في البيت يتعلم الطفل معنى الرحمة قبل أن يعرف معناها في الكتب.

وفيه يتعلم الصدق أو الكذب، والحلم أو الغضب، والحياء أو الجرأة على المعصية.

ولهذا فإن أعظم ما يورثه الوالدان أبناءهما ليس المال، وإنما صورة الحياة التي عاشها الأبناء بين جدران البيت.

فكم من أب ترك لأولاده ثروة، وترك معها قلبًا خاليًا من الإيمان.

وكم من بيت كان قليل المتاع، لكنه خرّج رجالًا ونساءً أصلحوا أمة.

أخطر ما يصيب الأسرة… أن تتمحور حول نفسها

حين تصبح راحة الزوج هي الغاية، أو راحة الزوجة هي الغاية، أو نجاح الأبناء هو الغاية، فإن البيت يبقى يدور حول مصالح أصحابه.

أما حين تكون الغاية رضا الله، فإن كل فرد يعيد النظر في نفسه قبل أن يلوم غيره.

يتحول الصبر إلى عبادة.

والنفقة إلى عبادة.

والابتسامة إلى عبادة.

والعفو إلى عبادة.

وتربية الأبناء إلى عبادة.

بل حتى احتمال طباع الشريك التي لا توافق هواك، يصبح طريقًا تتقرب به إلى الله.

وهنا فقط ينتقل الزواج من كونه عقدًا بين شخصين، إلى كونه رحلةً مشتركة إلى الله.

حين تضيع الغاية…

إذا ضاعت الغاية، بدأ كل شيء يضيع بعدها.

يتحول الحوار إلى جدال.

والنصيحة إلى اتهام.

والقوامة إلى تسلط.

والطاعة إلى خصومة.

والرحمة إلى معاملة رسمية تؤدى بقدر الحاجة.

ثم يتعجب الزوجان بعد سنوات: كيف وصلنا إلى هنا؟

والحقيقة أن البيوت لا تنهار في يوم واحد، وإنما تنهار يوم ينسى أهلها لماذا اجتمعوا.

وقفة

قبل أن تطلب من زوجك أن يتغير…

وقبل أن تنتظري من زوجك أن يصبح كما تتمنين…

اسأل نفسك في هدوء:

هل ما أفعله اليوم يقرب بيتي من الغاية التي أرادها الله له، أم يبعده عنها؟

فقد يبدأ إصلاح أسرة كاملة من مراجعة صادقة يقوم بها شخص واحد، يقرر أن يبدأ بنفسه، لا بخصمه.

ومن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله له ما بينه وبين الناس، وكان أولهم أهل بيته.

(3)البيت الذي تُبنى أيامه على التقوى

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

ليست البيوت الصالحة هي التي تخلو من المشكلات، ولا التي لم تعرف يومًا خلافًا أو ضيقًا أو ابتلاءً، فهذه سنة الله في عباده، وقد ابتلى بها خير خلقه من الأنبياء والصالحين.

ولكن الفرق بين بيتٍ يبقى، وبيتٍ يتداعى عند أول ريح، أن الأول جعل التقوى أساسًا يبني عليه أيامه، أما الثاني فقد بناها على ما يتغير ويزول؛ على المشاعر حينًا، وعلى العادات حينًا، وعلى المصالح حينًا آخر.

ولهذا لم يأمر الله الزوجين أن يبنيا حياتهما على العاطفة وحدها، وإنما ربط أكثر أحكام الأسرة بتقواه سبحانه.

ففي الإمساك قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.

وفي الفراق قال: ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.

وفي الحقوق قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

وفي أثناء آيات الأسرة تتكرر الوصية بتقوى الله؛ لأن القلب إذا راقب ربه، استقام حين لا يراه أحد.

فكم من كلمة كان صاحبها قادرًا على قولها، فمنعته تقوى الله.

وكم من ظلم كان الإنسان يستطيع أن يوقعه، فردَّه خوفه من الوقوف بين يدي الله.

وكم من حق أداه صاحبه، لا لأن الناس سيحاسبونه، بل لأنه يعلم أن الله لا يخفى عليه شيء.

ولهذا فإن البيوت لا يحفظها القانون، ولا الأعراف، ولا الخوف من كلام الناس، وإنما يحفظها شعورٌ يسكن القلب، أن الله مطلع على السر قبل العلن، وعلى ما تخفيه الصدور قبل أن تنطق به الألسنة.

التقوى تظهر حين تغيب الرقابة

قد يُحسن الإنسان خُلُقه أمام الناس، لكنه في بيته يطلق للسانه العنان، ويقسو في عباراته، ويظلم في أحكامه، لأنه يظن أن البيت مكانٌ تسقط فيه الكلفة.

وهنا يظهر الفرق بين من يعامل أهله لله، ومن يعاملهم بحسب مزاجه.

فالمتقي لا يمنعه من الظلم وجود الناس، بل يمنعه علمه أن الله يسمع ويرى.

ولا يحمله الغضب على البغي، لأنه يعلم أن الكلمة قد تجرح قلبًا، وأن الله سائله عنها.

ولا يؤخر الإحسان حتى يُكافأ عليه، لأنه يرجو ثوابًا أعظم من ثناء البشر.

ولهذا كان خير الناس خيرهم لأهله، كما قال النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي.»

فلم يجعل ميزان الخيرية كثرة العبادة الظاهرة وحدها، بل حسن المعاملة داخل البيت، حيث لا تصنع المجاملة، ولا يتكلف الإنسان صورته أمام الناس.

حين تختلف الطباع

لا يوجد بيت يتفق فيه الزوجان في كل شيء.

فلكل إنسان طبعه، وتربيته، وعاداته، وطريقته في التفكير.

ولو كانت البيوت لا تستقيم إلا مع التشابه التام، لما استقرت أسرة على وجه الأرض.

لكن التقوى تجعل الاختلاف بابًا للتفاهم، لا سببًا للخصومة.

فيتعلم الزوج أن يقدم الرفق على الشدة.

وتتعلم الزوجة أن تقدم الحكمة على الانفعال.

ويتذكر كلاهما أن كسر القلوب ليس من حسن العشرة، وأن الانتصار للنفس قد يكون هزيمة للأسرة كلها.

والأبناء يتعلمون مما يرون

الطفل لا يتعلم التقوى من الكلمات وحدها.

إنه يراها حين يشاهد أباه يعتذر إذا أخطأ.

ويراها حين تسمع الأم أبناءها وهي تذكر الله في الرخاء والشدة.

ويراها حين يختلف الوالدان، ثم يمنعهما خوف الله من الظلم، أو السخرية، أو كشف العيوب.

وهكذا تنشأ التقوى في القلوب قبل أن تُحفظ في الكتب.

ولهذا فإن أعظم هدية يقدمها الوالدان لأبنائهما ليست بيتًا واسعًا، ولا مالًا كثيرًا، وإنما بيتٌ يرون فيه الإسلام مطبقًا في تفاصيل الحياة، فيتعلمونه قبل أن يقرؤوه.

إذا دخلت التقوى بيتًا…

إذا دخلت التقوى بيتًا، لم تمنع وقوع الخطأ، لكنها منعت الإصرار عليه.

ولم تمنع الخلاف، لكنها منعت الظلم فيه.

ولم تمنع الحزن، لكنها منعت اليأس.

ولم تمنع الابتلاء، لكنها جعلته طريقًا إلى الصبر والاحتساب.

فكلما ضعفت النفوس، أعادها الخوف من الله إلى رشدها، وكلما كادت الدنيا أن تفرق القلوب، جمعها التذكير بالوقوف بين يديه سبحانه.

وقفة

قبل أن تبحثي عن طريقة تغيّرين بها زوجك، أو أبنائك، أو واقع بيتك…

اسألي نفسك في هدوء:

هل يشعر أهل بيتي، من خلال كلماتي وأفعالي، أن تقوى الله هي التي تقود هذا البيت؟

فإن صلحت هذه البوصلة، هان بعد ذلك إصلاح كثير من التفاصيل.

فالبيوت لا تحفظها قوة أصحابها، وإنما يحفظها توفيق الله لمن اتقاه، وصدق في طلب رضاه.

نسأل الله أن يجعل بيوتنا عامرة بالتقوى، وأن يؤلف بين قلوبنا، وأن يرزقنا حسن القيام بالأمانة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة