الذكر في القرآن الكريم

|

الحمد لله الذي جعل ذكره حياةً للقلوب، ونورًا للبصائر، وشفاءً للصدور، والصلاة والسلام على نبينا محمد، إمام الذاكرين، وقدوة العابدين.

إذا تتبع الباحث موضوع الذكر في القرآن الكريم وجد أنه من أكثر الموضوعات حضورًا، وأعظمها أثرًا في بناء الإيمان؛ إذ لم يرد الذكر في القرآن باعتباره عبادةً مستقلة فحسب، بل جاء أصلًا جامعًا تدور عليه العبودية كلها، حتى إن القرآن نفسه سُمِّي ذكرًا، وسُمِّي الوحي ذكرًا، وسُمِّي الشرف ذكرًا، وجُعل ذكر الله غايةً لكثير من العبادات.

وهذا يدل على أن الذكر في القرآن ليس ألفاظًا ترددها الألسن، وإنما حقيقة إيمانية تعمر القلب، وتظهر آثارها على الجوارح والسلوك.

قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.

وقال سبحانه:
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾.

فسُمِّي القرآن ذكرًا؛ لأنه يذكِّر العباد بربهم، ويعرِّفهم بأسمائه وصفاته، ويبين لهم طريق رضوانه، ويحذرهم من أسباب سخطه.

ومن خلال استقراء آيات القرآن يظهر أن لفظ الذكر يدور على معانٍ عظيمة يجمعها أصل واحد، وهو دوام صلة العبد بربه.

فمنه ذكر الله بالقلب واللسان، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.

ومنه ذكر الله لعباده، وهو أعظم الجزاء وأشرف الكرامة، قال سبحانه:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.

ومنه الذكر بمعنى القرآن والوحي، ومنه الذكر بمعنى الشرف والثناء الحسن، قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.

وهذا التنوع في الاستعمال يدل على سعة هذا المفهوم، وأن الذكر ليس عملًا جزئيًا، بل هو منهج حياة.

ولذلك قرن الله الفلاح بالإكثار من ذكره، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

ففي أشد المواطن، حيث تتعلق النفوس بالأسباب، أمر الله بالذكر؛ لأن القلب إذا امتلأ بتعظيم الله صغرت أمامه المخاوف، وثبت على الحق.

ومن أعظم مقاصد الذكر في القرآن إحياء القلوب؛ فإن القلب خُلق لمعرفة الله ومحبته، فإذا خلا من ذكره مات وإن بقي صاحبه حيَّ الجسد.

قال تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

ذكر

فهذه الآية أصل في بيان وظيفة الذكر؛ إذ جعلت الطمأنينة ثمرةً مباشرةً لذكر الله، ولم تجعلها ثمرة المال أو الجاه أو القوة، لأن القلب لا يسكن إلا إلى خالقه، ولا يجد راحته إلا في الإقبال عليه.

وفي مقابل ذلك حذر القرآن من الغفلة، لأنها نقيض الذكر، وأصل الانحراف والضلال.

قال تعالى:
﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾.

وقال سبحانه:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.

فكلما ابتعد القلب عن ذكر الله ضاقت عليه الدنيا وإن اتسعت أسبابها، وكلما ازداد قربًا من الله وجد من السكينة والرضا ما لا تمنحه الدنيا لأهلها.

ولم يقتصر القرآن على الأمر بالذكر، بل أثنى على أهله، وجعل كثرة الذكر من صفات أولي الألباب وأهل الإيمان، فقال تعالى:
﴿الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.

وقال سبحانه في وصف أولي الألباب:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.

وجاءت السنة النبوية تؤكد هذه المنزلة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
«مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت».

فجعل حياة القلب بالذكر، كما أن حياة الجسد بالروح، وفي هذا أبلغ بيان لمكانة الذكر في الإسلام.

ومن خلال هذه الآيات يتبين أن الذكر في القرآن يقوم على قواعد عظيمة؛ فهو عبادة، وهو سبب لطمأنينة القلب، وهو حصن من الغفلة، وهو علامة حياة الإيمان، وهو سبب لفلاح العبد في الدنيا والآخرة، وهو الصلة الدائمة بين الخالق وعبده.

ولذلك كان السلف يعدون الغفلة من أعظم المصائب؛ لأن القلب إذا غفل عن ربه استولت عليه الشهوات والشبهات، وإذا عمر بالذكر انقاد للطاعة، واستقام على أمر الله، وأبصر حقائق الإيمان.

فالذكر في القرآن ليس مجرد ألفاظ تُقال، ولا أوراد تؤدى في أوقات محددة، وإنما هو عبودية شاملة، تستغرق القلب واللسان والجوارح، وتلازم المؤمن في جميع أحواله، حتى يكون من الذاكرين الله كثيرًا، الذين وعدهم ربهم بالمغفرة والأجر العظيم.

وهذا ما يكشفه التدبر في آيات الذكر، ويؤكد أن أعظم ما يُرزقه العبد بعد الإيمان قلبٌ لا يغفل عن ربه، ولسانٌ لا يفتر عن ذكره، ونفسٌ تجد أنسها في مناجاته، حتى تلقى الله وهو عنها راضٍ.


النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة