قبس من كتاب: الوابل الصيب من الكلم الطيب

|

قبس من كتاب: الوابل الصيب من الكلم الطيب
من معين الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله

يُعَدُّ كتاب «الوابل الصيب من الكلم الطيب» للإمام ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) من أجلِّ المصنفات التي تناولت منزلة الذكر وآثاره في حياة المؤمن. ولم يقتصر مؤلفه على جمع الأذكار الواردة وبيان فضائلها، بل كشف عن أسرارها الإيمانية، وآثارها في تزكية النفوس، وإحياء القلوب، وتحقيق العبودية لله تعالى. وقد امتاز الكتاب بعمق التأصيل، وحسن الاستدلال، ودقة الاستنباط، في أسلوب يجمع بين قوة العالم، ورقة الواعظ، وبصيرة المربي، حتى غدا مرجعًا نفيسًا لطالب العلم، وزادًا إيمانيًا لكل من قصد إصلاح قلبه وتقوية صلته بربه.

ومن يتأمل هذا الكتاب يدرك أن الإمام ابن القيم رحمه الله لا يدعو إلى مجرد الإكثار من الذكر، وإنما يربي المؤمن على أن يكون الذكر حياةً للقلب قبل أن يكون حركةً للسان، وأن حقيقة السير إلى الله لا تقوم على كثرة الأعمال وحدها، بل على كمال الإيمان، وصدق الإخلاص، وحضور القلب، وتحقيق العبودية لله عز وجل في جميع الأحوال.

من نفائس فوائده

  • السعادة الحقيقية تقوم على ثلاثة أصول عظيمة: شكر النعمة، والصبر على البلاء، والتوبة من الذنب؛ فهي ملازمة للعبد في مسيره إلى الله، وبها يتحقق فلاحه في الدنيا والآخرة.
  • الشكر عبودية متكاملة، قوامها اعتراف القلب بفضل الله، والثناء عليه باللسان، وتسخير النعمة فيما يرضيه سبحانه؛ فليس الشكر ألفاظًا تُقال، بل عبوديةٌ تُترجمها الجوارح.
  • البلاء ميدان العبودية؛ ففي مواطن الشدة تظهر حقيقة الإيمان، ويرتقي المؤمن في مدارج الكمال بقدر ما يحقق من الصبر، والرضا، وحسن الظن بالله تعالى.
  • التوبة باب الرحمة العظمى؛ فقد يجعل الله الذنب سببًا لانكسار القلب، ودوام الافتقار إليه، فيخرج العبد من معصيته بقلبٍ أخشع، ونفسٍ أذل، وإقبالٍ أعظم على ربه.
  • التوفيق الحقيقي أن يتولى الله عبده بعونه ورحمته، فلا يكله إلى نفسه طرفة عين؛ إذ لا نجاة للعبد إلا بفضل الله، ولا قوة له على الطاعة، ولا سلامة له من المعصية إلا بمعونته سبحانه.
  • السير إلى الله يقوم على جناحين متلازمين: شهود نعم الله التي تورث المحبة والشكر، ومطالعة تقصير النفس التي تورث الذل والافتقار، وبهما يستقيم سير العبد إلى ربه.
  • حقيقة العبودية تقوم على أصلين عظيمين: كمال المحبة لله، وكمال الذل له؛ فكلما ازداد القلب حبًا لربه، وخضوعًا بين يديه، ازداد تحقيقًا لمعنى العبودية.
  • استقامة القلب لا تتحقق إلا إذا قُدِّمت محبة الله على كل محبوب، وعُظِّم أمره ونهيه، فصار رضا الله هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال، والرغبات والمقاصد.
  • تفاضل الأعمال عند الله إنما يكون بما يقوم في القلوب من الإيمان، والإخلاص، والخشوع؛ فرب عملٍ قليل عظُم أجره لصدق صاحبه، ورب عملٍ كثير قلَّ نفعه لضعف الإخلاص أو غياب حضور القلب.
  • الخشوع روح العبادة، وحضور القلب روح الذكر، والإخلاص روح الأعمال كلها؛ فإذا فقدت هذه الأرواح بقيت صور الأعمال، وضعف أثرها، وقلَّ نفعها.

وفي الختام، فإن «الوابل الصيب» ليس كتابًا يُقرأ مرةً ثم يُترك، بل هو رفيقٌ يتجدد نفعه مع كل قراءة، يوقظ القلب من غفلته، ويجدد صلته بربه، ويغرس في النفس معاني الذكر، والافتقار، والإنابة، حتى يدرك القارئ أن حياة القلب لا تكون إلا بذكر الله، وأن أعظم الغنى أن يفتقر العبد إلى مولاه، وأعظم السعادة أن يكون لسانه رطبًا بذكره، وقلبه عامرًا بمحبته.

اقرأ
مراجعة كتاب ))

للمزيد:
قبسات من كتاب خوّات بن جبير ( في ضلال التربية النبوية )
العلامة الفذّ ابن القيم.. سيرة قدوة وميراث حيّ

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة