كنتُ أتدبّر سورة الفجر،
فلمّا وصلتُ إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)﴾
جعلتُ أربط معاني السورة بهذه الآية الرائعة من خواتيم السورة، وقد هداني ربّي لمعنى جميل ولطيف، سبحانه!
تأمّلتُ بدايةً كيف أقسم الله في بداية السورة بأزمنة معيّنة، وهي أزمنة عظّمها الله عزّ وجلّ، والله لا يقسم إلا بعظيم، وكأنّ في ذلك إشارةً إلى شرف الزمان، وإلى أن يتنبّه المسلم لهذه الأوقات وإلى أين يصرف عمره! وأنّ أصحاب العقول السليمة هم مَن تنبّهوا إلى أوقاتهم وعظّموا ما عظّم الله: ﴿هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5)﴾.
ثم انتقل الحديث عن مَن لم يعظّموا ما عظّم الله، مَن اتّبعوا هوى أنفسهم فطغوا وأفسدوا، وكان ربّك لهم بالمرصاد. والناظر لحال مَن تحدّث الله عنهم يلاحظ أنّهم كانوا أصحاب مناصب ومال وقوّة، فظنّوا أنّهم على شيء، وهم ليسوا بشيء. وممّا هداني الله له أنّي قد ربطت ذلك بالآيات السابقة، فقلت: وكأنّ في ذلك إشارةً إلى أنّ مَن لم يعظّم ما عظّمه الله سيعظّم هوى نفسه من حبّ مال ومنصب وقوّة، وسيقاتل دونه، ويعيش له، ويطغى، ولكن هيهات أن تكون له حصنًا من عذاب الله ونكاله! وكيف ينجو مَن جحد نعمة الله عليه، وعبد غير مَن منَّ عليه بكلّ هذا؟ كيف ينجو مَن عظّم غير مَن له الكبرياء والعظمة، وحده لا شريك له؟
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾.
وبعد ذلك، الحديث عن ذات الفكرة والموضوع، بأنّ الإنسان يظنّ أنّ إكرام الله له وحبّه مقرونان ببسط رزقه عليه؛ فإن رزقه الله رزقًا واسعًا، ظنّ أنّه عند الله من المقرّبين، وهذا والله من الخذلان! حتى إنّ كثيرًا من النفوس يفكّرون بذات الطريقة، فتراهم مقصّرين، لا يطيعون الله حقّ طاعته، ظنًّا منهم أنّهم على خير؛ لأنّ الله بسط لهم في الرزق.
ويظنّ كذلك أنّ مَن قُدِر عليه رزقه هو عند الله من المهانين، وأنّ الله لا يحبّه، فترى شيئًا من السخط والامتعاض، وهذا والله فهم خاطئ عن الله؛ فليس الذي بُسط له في رزقه أكرمه الله، وليس الذي قُدِر عليه رزقه أهانه الله، وإنّما هو ابتلاء؛ فالأوّل في ابتلاء شكر، والآخر في ابتلاء صبر. وفي ذلك إشارة إلى أنّ هذه النفوس التي تقرن حبّ الله لها بالرزق الدنيوي فقط هي نفوس قد عَظُم في نفسها حبّ الدنيا والمال، وهذا شأن مَن لم يعظّم الله حقّ تعظيمه في نفسه، والله المستعان.
وأذكر هنا حديث الحبيب المصطفى صلّى الله عليه وسلّم حين قال:
«تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ والدِّرهمِ، والقَطيفةِ والخَميصةِ، إن أُعطيَ رضيَ، وإن لم يُعطَ لم يرضَ».
كما يحضرني هنا آيات سورة العاديات التي يذمّ الله فيها تلك النفوس التي أحبّت المال حبًّا شديدًا، حتى صارت كما وصفها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «عبد الدينار والدرهم»، بل ويتوعّدهم ربّهم وعيدًا شديدًا؛ لأنّهم بذلوا حياتهم لأجل ذلك:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)﴾.
ثم هذه الآيات التي تبيّن هذا المعنى وتؤكّده، بأنّ هؤلاء الذين عَظُم حبّ المال في نفوسهم، فسخطوا ورضوا عن الله بمقدار ما أنعم عليهم من رزق دنيوي فقط، أنّهم ما أرادوا المال لأجل خير، وإنّما ليطغوا ويفسدوا:
﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)﴾.
ثم الوعيد لهؤلاء، ولكلّ مَن عظّم غير ما عظّم الله، وفي ذلك إشارة لا تخفى إلى أنّ مَن كان هذا همّه هو من النادمين، وأيّ ندم بعد قولهم: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾!
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)﴾
وختامُها مِسكٌ بقوله عزّ وجلّ:
﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)﴾.
رابطًا لنا كلَّ معاني السورة وما ورد فيها من أولها إلى آخرها بهذا المعنى العظيم، بأنّ النفس المطمئنة هي تلك التي عظّمت ما عظّم الله من زمان ومكان وعبادة؛ تلك النفس التي علمت أنّ بسط الرزق وقدره عليها ما هو إلا امتحان، فاستوى العطاء والمنع، فلم يغيّرها العطاء عن شكر ربّها، ولم يغيّرها المنع عن الصبر في ذات الله؛ تلك النفس التي فقهت أنّ المال في يدها إنّما هو لله، وما هي إلا مملوكة ممتحنة فيه، فلا اضطراب ولا سخط ولا جزع.
وفي ذلك إشارة لنا إلى أهمية الزهد في الدنيا، والحثّ على طاعة الله أيًّا كان الرزق الذي في يدنا، والصبر حين تشتدّ الخطوب؛ حتى نكون من أصحاب النفس المطمئنة التي رضيت عن الله وعن أقداره، فرضي الله عنها. وتخيّل أن يرضى الله عنك، فأيّ نعيم وأيّ جزاء وأيّ جنّة تنتظرك؟
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
«عَجَبًا لأمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأحَدٍ إلَّا للمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيْرًا له».
اللهم ارزقنا قلبًا سليمًا ونفسًا مطمئنة، وقِنا اللهم شحَّ أنفسنا، واجعلنا من الراضين عنك، المقبلين لا المدبرين. آمين.
للمزيد:
القرآن والأبحاث العلمية
﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾










