رسائل المطر؛ حين هممت بكتابة هذا النص عن المطر، لم يلبث أن انهمر من السحاب حقًّا، كأنه يلوح إليّ بإشارات حية تعزز هذه الكلمات… يا ليتني أستطيع أن أروي هذه الحروف بقطرات المطر، لتغدو الكلمات نفسها ندية به!
فلعل الأحزان التي جمّدت أنهار السرور في النفوس تعود إلى مجاريها، كأنها انفكت من عقال، ولعل صحراء الكآبة التي خيمت على القلوب تستحيل ربوةً خضراء يانعة، تتناثر الورود بين جنباتها.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ مَطَرٌ، قالَ: فَحَسَرَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثَوْبَهُ، حتَّى أَصَابَهُ مِنَ المَطَرِ، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ، لِمَ صَنَعْتَ هذا؟ قالَ: لأنَّهُ حَديثُ عَهْدٍ برَبِّهِ تَعَالَى.
يا لشوق النبي ﷺ إلى ربه، ويا لعجيب تحينه لما كان حديث العهد من خالقه! فتعاهد كل ما يقرّبك من ربك، وكن قريبًا مما هو قريبٌ منه سبحانه.
وما نزول المطر وإحياء الأرض بعد موتها إلا آيةٌ عظيمةٌ تدل على قدرة الإله سبحانه على إحياء الموتى. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾.
وقال سبحانه: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾. تأمل: ماءٌ واحد، وتخرج به الزروع والثمار والأشجار مختلفة الألوان!
يقول ابن القيم رحمه عن المطر: “فيرش السَّحاب على الأرض رشا، ويرسلُه قطرات منفصلة، لا تَختلط قطرةٌ منها بأخرى، لا يتقدَّم متأخِّرُها ولا يتأخَّر متقدِّمها، ولا تدرِك القطرة صاحبتَها فتمتزج بها، بل تنزِل كلُّ واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدِل عنه، حتَّى تصيب الأرضَ قطرة قطرة، قد عُيِّنت كل قطرة منها لجزءٍ من الأرْض لا تتعدَّاه إلى غيره…”
إن المطر آية من آيات الله تستحق التأمل والانتباه الصادق، لتذكرنا بجميل خلقه وسعة نعمه التي لا تُحصى. وأما البرد والثلج فليسا إلا صورًا أخرى تعكس جمال المطر، وتنوعًا بهيًّا في مظاهر رحمة الله، وهطولهما يبعث البهجة في النفوس، ويذكّر بعظيم تدبير الله…
سبحان الخالق المبدع سبحانه! قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
فيا رب المطر، أنزل علينا صيبًا نافعًا هنيئًا، وأغدق علينا من لطفك ورحمتك ما يحيي النفوس، كما تحيي بالمطر الأرض بعد موتها…










