حين يغدرُ كتاب بقارئه

|

“وَخَيرُ جَليسٍ في الزَمانِ كِتاب”
شطرٌ قاله المتنبي قبل قرون عديدة، ووافقه عليه كثيرون، غير أنّه برأيي لا يصحّ على إطلاقه؛ فليس كلُّ كتابٍ جديرًا بالصحبة، ولا كلُّ ما بين الدفّتين يُؤتمن أن تُسلَّم له القلوبُ والأبصار؛ إذ إن منها ما يُنير العقول، ومنها ما يُغوي ويُضلّ الفهيم اللبيب.

ولقد شاع في زماننا هذا الافتتان بكتبِ مَن حادوا عن جادَّةِ السَّلف، وانحرفوا عن سَويِّ المُعتقد، قراءةً واقتباسًا، وعلى رأس تلك الكتب -حسب اطّلاعي- كتبُ جلالِ الدين الرومي، وابنِ عطاءِ الله السكندري، وأما من المتأخرين فحدِّث ولا حرج؛ إذ لا يسعنا في هذا المقام ذكرُهم جميعًا وبيانُ انحرافاتهم؛ لذلك اقتصرْتُ على هذين الاثنين لشدة ولع الناس وانخداعهم بهما.

فلقد وجدتُ في اقتباساتهم المذاعة في فضاء المواقع الإلكترونية، وبعد مراجعة أقوال السادة العلماء من السلف، والخلف الصالح، شطحاتٍ عقديّةً جسيمة يندى لها الجبين، وسأوردُ بعضَها بقصد إقامة الحجّة وبيان الدليل، وإلا فالأفضل عدمُ ذكرها، انطلاقًا من قاعدةِ إِماتةِ الباطل بالسكوت عنه.
إلا أنَّ الأمر يقتضي التبيان وتبرئة الذمّة، مع التأكيد على أن هذه المهمة ليست من اختصاصي، فلها أهلها، وما أردت هنا إلا أن أقدّم تنبيهًا ونصيحةً للإفادة العامة.

ابن عطاء اللهِ السكندري:
قد نَضَحَتْ “حكمه” بصُورٍ مِنَ “الحُلولِ والاتِّحاد”، وهي من أهم ركائز دين التصوف، فقد قال عن ربنا جل وعلا: “لولا ظهوره في المكونات: ما وقع عليها أبصار، ولو ظهرت صفاته: اضمحلت مكوناته”.
بل وذهبَ لِما يُصادم صريح الوحي بصرف الناس عن مَقام “الدعاء” والطلب من الله سبحانه بقوله: “سؤالك منه اتهام له”!

فإذا انقَطَعَ العبد عن دُعاءِ ربه، فبِأيِّ حَبلٍ يَتصل؟ وإلى أيِّ رُكنٍ يَأوي إنْ نَبذَ عبادة الاستعانة بالله واللجوء إليه؟!

جلال الدين الروميُّ:
بلَغَ به الشَّطحُ أنْ جعلَ “كتابَه” قَسيماً للقرآنِ في قَدسيتِه وأصلِه، وفي هذا نَزعة تَرفعُ المخلوقَ فوقَ قَدْرِه، وكلامٌ أقرب للكفر منه للإيمان: “إنه قرآن، ولم لا يكون قرآناً وما هو إلا نور أسرار الحق”.

وكوَّن لدى أتباعه ومريديه تصورًا حلوليًّا اتحاديًّا عن الله، تعالى الله عن ذلك: “هو الذي ظهر في صورة إنسان.. وصاح: أنا الحق..”.
ومن شطحاته أيضًا أنه كان يعتقد أن رسول الله ﷺ متمثِّل في جسد إمام الزندقة «الحلّاج». وحاشا رسولَنا الكريم أن يكون كما زعمه هذا المنحلّ.

فإن كان من نصيحةٍ للقارئ النَّهِمِ، الذي أخَذَ بلُبِّه بَريقُ هذهِ المُصنَّفات، فهي أن يحذر منها أشدَّ الحذر؛ ولا يدخلنَّ لُجج هذه الكتب إلا مَن تسلح بعقيدة صافية تميز الحق من الباطل، وإلا فالسلامة في مجانبتها؛ إذ قد يظن -واهِمًا في ظنه- أن كتبهم تلك تعبِّر عن هويته الدينية، وتنتصر لمبادئه؛ لما لهم من صيت يعزى للإسلام، والإسلام منه براء!

فالذي يظهر لك من عباراتهم حسن بيان وتنميقِ كلمات، وزخرفة معان؛ فيدسون لك الحِكم داخل هذه الشطحات الكفرية والأساطير؛ ليعطيها بعداً دينيًّا وأخلاقيًّا، ويستخدمون فيها التعبير الغزلي، خاصة “الغزل الإلهي” أو “المديح الإلهي” في أشعارهم؛ مما يشكل عنصر جذب عند السامعين والقراء، وما هي إلا حروف مظلمة تخون القارئ من وجه ثقته فيها وتعويله عليها، بل هي في حقيقتها معاول هدم خفية للدين والاخلاق.

  • وكما قال الشاعر:

وَرُبَّ فاكهةٍ تُغريكَ قِشرتُها
واللُّبُّ يرتعُ فيه الدُّودُ والعَفَنُ

وسأورد مثالًا يبرهن على جدّية الأمر، وهو ما نبّه إليه العلماء بشأن خطورة الاطلاع على كتب الفلاسفة وأهل الضلال:
قال أبو بكر بن العربي عن شيخه الغزالي -والمعروف أن الغزالي كان مُكثِرًا من قراءة كتب الفلاسفة-: “شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم، فما استطاع”.

وهذا يدل على أن كلام أهل الفلسفة، وخاصة المغالين فيها، هو سمٌّ زعاف يعلق في لب القارئ، فلا دواء له إلا أن يتداركه الله جل جلاله بألطافه ورحماته.

وقال الذهبي رحمه الله: “ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين، لتلف”.
أي أنه لولا فضل الله عليه في اجتناب المزالق العقدية الكبرى لانحرف وخرج عن دائرة الإسلام! فحسن قصده بفضل الله أنقذه من المعاطب. وهذا وهو من الحذاق المخبرين بالفلسفة وأهلها، فكيف بنا نحن وعلمنا ضئيل وإيماننا ضعيف؟

فاحذروا هذه الكتب، واحفظوا دينكم من موارد الشبهات؛ فإن التوغّل في مطالعتها مسلكٌ خطير لا تُحمَد عاقبته. ومما يغني عن هذا كله بفضل الله، بعد كتابه الكريم وسنة نبيه ﷺ، هو التمسّك بكتب أهل العلم الثقات، ممن استقام دينهم وحسُن مقصدهم. والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة