وأنا أقرأ في سورة يوسف، استوقفتني الآية:
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي ۚ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾.
تعرّض يوسف عليه السلام للاتهام بالكذب، بل وبالقذف؛ إذ اتهمته امرأة العزيز وقالت:
﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فوضعت يوسف عليه السلام أمام زوجها، الملك، على أنه كاذبٌ ومعتدٍ عليها.
ولكن ما استوقفني أمران:
أولًا:
إن يوسف عليه السلام، رغم أنه كان واقفًا أمام ملكٍ عظيم، ورجلٍ ربّاه وعاش في بيته هو وزوجته، لم يتردد ولم يخف، بل قال بوضوح:
﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي﴾.
وفي هذا دلالة على أن الإنسان بحاجة إلى الشجاعة في الدفاع عن نفسه إذا لزم الأمر، دون خوفٍ ممن يقف أمامه.
ثانيًا:
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا﴾، وفي هذه الآية طمأنينة عظيمة؛ فالحقيقة وإن طال كتمانها، لا بد أن يظهرها الله، وقد يجعل كشفها على لسان أقرب الناس، ليكون ذلك أبلغ في إظهار الحق ودحض الباطل.
يوسف عليه السلام عندما جاء إخوته إلى مصر ليتزوّدوا بالطعام، عرفهم ولم تتغيّر وجوههم كثيرًا؛ فقد كانوا أكبر منه، أمّا هم فلم يتعرّفوا عليه، وكانوا يقولون في أنفسهم: نحن داخلون على عزيز مصر لنأخذ زادنا من الطعام ثم نرجع إلى أهلنا.
يوسف عليه السلام، على الرغم من أنّه عرفهم ولم ينسَ ما صنعوه به من حسدٍ وغِلٍّ في قلوبهم؛ إذ فرّقوه عن والده، ولم يكتفوا بذلك، بل ألقوه في ظلمة البئر وهو فتى صغير.
تخيّل معي أنك ترى الذين أساؤوا إليك، بل كادوا أن يقتلوك، ثم يأتون إليك اليوم يطلبون ما يسدّ رمقهم ورمق أهلهم! تخيّل أن ترى من كان سببًا في كل أوجاعك، ومع ذلك لم تنبس ببنت شفة، بل أطعمتهم وأكرمتهم ورددت إليهم أموالهم.
يوسف عليه السلام بدأ معهم بحكمة ووعي وحيلة جميلة؛ فقد طلب منهم في البداية أن يأتوا بأخيه الذي هو من أمّه وأبيه، وقال لهم: ﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ هو قال ذلك لأنّه كان يعلم أن القحط قد أصاب البلدان، وأنهم سيعودون بأخيه لحاجتهم إلى الزاد.
رجع إخوة يوسف عليه السلام إلى أبيهم يعقوب الذي فطر الحزن قلبه منذ فراق حبيب عينيه يوسف، وحاولوا معه بشتى الطرق أن يوافق على أخذ أخيهم بنيامين معهم في المرة القادمة، لكن يعقوب عليه السلام رفض في البداية؛ كونه لم ينسَ تفريطهم في يوسف من قبل!
ومع تكرار المحاولات، وحاجتهم الشديدة إلى الزاد، وافق يعقوب عليه السلام أن يأخذوا أخاهم، بعد أن يأخذ عليهم موثقًا من الله بحفظه. غادروا أهلهم وذهبوا إلى يوسف عليه السلام، فلما دخل عليه أخوه فاض شوقه وحنينه إليه، وقال له دون علمهم: إني أنا أخوك.
في البداية عرف يوسف عليه السلام إخوته، ثم طلب منهم إحضار أخيه، فلما جاء أخبره بحقيقته، وبدأ بعد ذلك بالتفكير في الخطوة التالية: كيف يُبقي أخاه إلى جانبه؟
فلم يخبرهم أنه يوسف، بل وضع الصُّواع في رحل أخيه واتّهمهم بالسرقة؛ ليبقيه معه، وهو يعلم من الله ما سيحدث؛ فقد أوحى الله إليه وهو في غياهب الجب:
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
رغم أنّه عرفهم ولم يعرفوه، أكرمهم وردّ إليهم أموالهم، وطلب أخاه ثم حبسه عنده بحجّة السرقة، وكلّ ذلك بحكمة وتدبير.
وهذا يعلّمنا أن يتصرّف المرء بحكمة وتريّث، وألّا ينفجر غضبًا في لحظات الانفعال؛ فهذا يوسف عليه السلام ذاق ويلات الأذى من إخوته، ومع ذلك تصرّف بحنكة وصبر، وكان على يقين أنّ ما يجري لحكمة من الله سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك أخبرهم يوسف عليه السلام أنّه أخوهم، وعاد أبوه بصيرًا، وجاء بأهله جميعًا إلى مصر، وقال لإخوته بعد ما صنعوه به: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾.
كان بإمكانه أن يخبرهم منذ اللحظة الأولى حين رآهم، ولكن كلّ ما جرى كان لحكمةٍ من الله. حتى اجتمع بأهله جميعًا، وتحقّقت رؤيا السنين، وهذا ما يعلّمنا ألّا ننظر إلى البلاء من زاويةٍ ضيقة؛ فبعد أن أُلقي في البئر وتفرّق عن أهله، رفعه الله حتى صار عزيز مصر، وفي النهاية جمعه الله بأهله جميعًا.










