آفةُ التلون في الدِّين؛ قال عز شأنه: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا).
كان السلفُ الصالحُ رحمهم الله يُحذِّرون من التلوُّن في الدِّين غايةَ التحذير، كما قَالَ حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “إنَّ الضَّلَالَةَ حَقَّ الضَّلَالَةِ أَنْ تَعْرِفَ الْيَوْمَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَأَنْ تُنْكِرَ الْيَوْمَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ قَبْلَ الْيَوْمِ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنَ؛ فَإنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ”، وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله: “الداءُ العُضال: التنقُّلُ في الدّين”. وذلك مع كثرة المصلحين والصالحين في زمانهم. فكيف بزمنٍ كزماننا، وقد كثرت فيه الفتن، واضطربت فيه القلوب، وتقلَّبت فيه المواقف العقدية والفكرية كتقلب الأمواج في البحر؟!
فأضحى هذا التلون، خصوصاً ممن ينسب إلى العلم، من أعظم ما يُصدّ الناس عن دين الله، وأقوى ما يُنفِّرهم عنه، وأجلى ما يُطمع أهل الحقد والعداوة في السخرية والطعن بالدين؛ ومن ثَمَّ تعاظم خطرُه وتفاقم أمره، لا سيما في هذا العصر الذي فُتِحت فيه أبواب التواصل الإلكتروني على مصراعيها، واشتدّت فيه فتن الباطل، وضعف فيه حُماة الحقّ؛ لذا كان التحذير من هذه الآفة اليوم آكد وألزم!
وحقيقة التلون في دين الله أن ينتحل المرء في كل مرة مذهبًا باطلاً مخالفاً للحق الذي كان عليه، فتراه يتنقل من قولٍ إلى قول، ومن مذهبٍ إلى مذهب، حتى تضطرب عنده الموازين؛ فينقلب المحظورُ مباحًا، والمحدثُ مشروعًا، والكفر إيمانا، والمُنكَرُ معروفًا، والشِّرك توحيدًا، كالحرباة في تلونها بحسب ما يوافق مصلحته وهواه. يقولُ حُذَيفةُ رضيَ اللهُ عنه: “مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ أَمْ لَا؟ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَلَالًا، أَوْ يَرَى حَلَالًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ”. وقد قال ابن عون رحمه الله: “إِذا غلب الهوى على القلب استحسن الرجل ما كان يستقبحه.”
- وكما قال الشاعر:
وشرُّ خصالِ المرءِ تمزيقُ دينِه
على نحوِ ما يُملي الهوى يتلوَّنُ
مع التنبيه على أن التغير في الفتوى أو الاجتهاد عند تجدّد النظر في الأدلة، أو ظهور ما لم يكن ظاهرًا من قبل، ليس تلوّنًا مذمومًا، بل هو من مقتضيات الفقه، غير أن ذلك إنما يكون في مسائل الوسائل والجزئيات، لا في ثوابت المقاصد والكليات، وبشرط أن يجري على الأصول المعتمدة في الاستدلال عند أهل العلم.
والمتلوّن لا يعتمد عليه في أمر دينه، ولا يصلح للإمامة في العلم، ولا يُعوَّل على نقله ولا يُرجع إلى قوله؛ إذ فقد شرط الأمانة والديانة، فلا تنفعه بلاغةٌ، ولا شهرةٌ، ولا كثرةُ أتباع. قال سفيان الثوري رحمه الله: “كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل, ومن فتنة العالم الفاجر, فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون”.
أمّا أسبابُ التلوّن في دين الله تعالى فكثيرة، ومن أبرزها: الابتداع، وضعفُ العلم، وسوءُ القصد، ومماراةُ أهل الأهواء، فإنها تزلزل الثوابت، وتُضعف البصيرة، وتُفسد ميزان الحقّ في القلب. وأمّا الرياءُ والسُّمعة، وصحبةُ أهل الباطل، وحبُّ الدنيا، فهي من أعظم ما يبيع به العبد دينه بعَرَضٍ زائل؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا».
وأمّا التصدّر لمناظرة أهل البدع ومخالطتهم، فإن الإكثار من ذلك، والولوع بالجدال مع أهل الفتن، يُورث الشك في المسلمات، ويُمرض القلوب؛ ولهذا قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقّل».
والتلون لا ينبت في قلب إلا إذا سقي بماء الشك، يقول إبراهيم النخعي رحمه الله: “كانوا يرون التلون في الدين من شك القلوب بالله”.
ومن الأسباب الخفية: أن أهل الباطل ما يزالون يسعون في الإضلال والفساد بكل سبيل، ولا يجدون فريسةً أغلى ولا أنفَس عندهم من إفساد من كان مستقيمًا؛ لعلمهم أن الصالح إذا انحرف، صار في نظر من يصدقه ومن يثق به قدوةً يُقتدى بها، فيتبعونه، وهم يظنون أن ما يصدر عنه ما زال حقًّا، فتتضاعف الفتنة.
فالمتلون إما أنه انتسب إلى السنة على غير بصيرة، أو أنه أظهر الاتباع وأضمر الهوى؛ فإذا ابتُلي بالفتنة أو وُسِّعت له السُّبُل، انخلع من طريقة السلف، وانجرف إلى طرائق أهل الأهواء؛ ليظهر بذلك الفرقان بين الخبيث والطيب، على وفق سنّة الله في الابتلاء والتمييز، (لِیَمِیزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِیثَ مِنَ ٱلطَّیِّبِ).
وقد قال تعالى مادحًا أولياءه المؤمنين: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}.
قال عمر رضي الله عنه: “استقاموا والله لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب.”
فالمؤمن الحق يستقيم على أمر ربه ما دام حياً، قال ابن القيم رحمه الله: “الكاذبُ متلوِّنٌ؛ لأنّ الكذبَ ألوانٌ، فهو يتلوّنُ بتلوِّنَه، والصادقُ مستمِرٌّ على حالةٍ واحدةٍ؛ فإنّ الصدقَ واحدٌ في نفسِه، وصاحبُه لا يتلوَّنُ، ولا يتغيَّرُ”.
وقال: “إن الراسخ في العلم لو وردت عليه من الشبه بعدد أمواج البحر، ما أزالت يقينه.”
فلا دواءَ لهذا الداء القاتل إلا ملازمة أهل العلم الراسخ، ومرافقة الصالحين، ومجانبة أهل الأهواء والابتداع، والسكينة إلى قضاء الله وقدره، ولزوم سبيل الوحيين، واستحضار الوقوف بين يدي الله يوم الحساب، والخوف من زلل الأقدام بعد رسوخها.
فنعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، ومن الرجوع عن الحق والعلم إلى الجهالة والعمى، فإنا لله وبه وإليه راجعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل.










