عبودية لله في كل تفاصيل حياتنا!

|

عبودية لله… في رمضان شمّر المسلمون، واستعدّ الصالحون، ودخل جميعهم مضمار السباق، وأعينهم على كثرة البرّ والطاعات، والخير والقربات، والذكر والختمات.

منهم من لزم مصحفه، يقرأه آناء الليل وأطراف النهار، يختمه مرّات عديدة. ومنهم من آتاه الله مالًا، فينفق منه في المشاريع الخيرية والتطوعية.

ومنهم من آتاه الله علمًا، فيصدح بالمواعظ والآيات في الآفاق. ومنهم الكاتب اللبيب، قد جنّد قلمه نصرة للحق وتذكيرًا للمؤمنين.

وهناك، في زوايا عديدة من هذه الأمة المترامية الأطراف، عبادٌ لله بسطاء، يمضون إلى الله بضعفهم وبساطتهم؛ ليسوا بالعلماء فيُعلّموا، ولا بالكتّاب فيكتبوا، ولا بالأغنياء فيبذلوا، ولا بالأقوياء فيتصدّروا، لكنهم استجابوا لربهم، فحضروا عند الفزع، وغابوا عند الطمع.

  • رأيت من هؤلاء شابًا يتعبّد لله في رمضان بمساعدة إخوانه في إعداد إفطار للغرباء والمشرّدين وعابري السبيل، فإذا حانت ساعة الإفطار وقف بينهم، مذكّرًا بنعم الله على عباده، داعيًا إيّاهم لتذكّر إخوانهم من المستضعفين في دعواتهم في كل مكان، وهكذا حاله كل يوم.
    ورأيت امرأة تتعبّد لله في رمضان بملازمة والدتها المسنّة المريضة، لا تقدر على شيء من أفعال البرّ غير ذلك. تلازمها طول الوقت، فلعل لحظة تغيب فيها عنها تتعرّض للخطر، وهي صابرة محتسبة، ترجو ثواب ربها.
  • ورأيت أبًا يسعى طيلة ساعات يومه إلى كسب رزق حلال يعفّ به أسرته، ولا يملك وقتًا كافيًا ليسابق بكثرة التلاوة، إلا أنه يسعى فيما يطيق وما هو متاح، ويحتسب ذلك لله.
  • ورأيت شبابًا يتعبّدون لله بزيارة المرضى في المستشفيات، والمحرومين في مراكز الرعاية، يتفقدونهم، ويبكون لبكائهم، ويتألمون لآلامهم، ثم يزرعون في وجوههم البسمات، وفي قلوبهم الأمل وحسن الظن بالله.
  • ورأيت امرأةً مسلمةً في بلادٍ مضطهدة، تتعبد لله في رمضان بصبرها واحتسابها؛ تسكن في خيمةٍ مهترئة، لا تملك سحورًا ولا إفطارًا سوى جرادٍ طبخته في قدرها الصغير، ومع ذلك مبتسمة. قد ارتسمت في وجهها تقاسيم الحياء، (…يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ…).

عبودية لله… هذا حال المؤمنين في رمضان؛ بين من فُتحت له الآفاق في أعمال بر كثيرة، وبين من لا يملك إلا القليل، قد منعهم ضعفهم أو فقرهم أو قلة حيلتهم.

  • وأنا أسرد هذه الكلمات يحضرني مشاهد الصدق والوفاء التي خلّدها الله عبر العصور؛ مشهد الصحابي الأنصاري حارثة بن سراقة الذي قُتل خطأ بسهم طائش عند البئر بغزوة بدر، فلم يقاتل عدوًّا ولم يشارك في معركة بدر مشاركة ظاهرة.
    فجاءت أمّه إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! أخبرني عن حارثة؟ فإن كان في الجنة صبرت، وإلا فليرين الله ما أصنع (تعني من النياحة)، وكانت لم تحرم بعد!! فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: (أوهبلت؟ إنها جنان ثمان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى)
  • وأذكر قصة المرأة الضعيفة الفقيرة التي جاءت إلى عائشة رضي الله عنها، تسأل ما يسدّ جوع ابنتيها، فأعطت أم المؤمنين لكل واحدة منهن تمرة، فلما أرادت الأم أن تأكل تمرتها، نظرت ابنتاها الجائعتان إليها، فرقت لحالهما، وآثرتهما على نفسها وهي تتضور جوعًا، فلما قصّت عائشة رضي الله عنها القصة على رسول الله ﷺ قَالَ: «إنّ اللَّه قد أَوجَبَ لها بِها الجنَّةَ، أَو أَعتقَها بها من النَّار».

عبوديّة لله… إن هذه المشاهد العظيمة تعرّفنا مقام صدق الاستجابة إلى الله، وأن الله قد رفع قدر الصادقين، وإن كانوا أضعف خلقه، قد انقطعت بهم السبل، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، وإن كانوا المجهولين الذين لا حيلة لهم.
فكل ما نسعى به في هذه الحياة إلى الله، ونسابق به، إنما هو وسيلة وجسر نعبر به إلى مقام العبودية لله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾.
ومن المؤمنين من مُدّ له جسر متين من القدرات، ومركب عظيم من الإمكانات يمضي به، ومنهم من لا جسر له ولا مركب، فآتاه الله بحسن استجابته، وظنه به، جناحين يطير بهما إليه، ولعله يسبق خلقًا كثيرًا من أصحاب الجسور والمراكب، ممن ضعفت استجابتهم لله تعالى، أو أنه كان أصدق مع الله وأعظم استجابة له.

فلنسابق إلى الله أيها المؤمنون بكل ما نطيق، منكسرين لله، مستشعرين لضعفنا متبرئين من حولنا وقوتنا، ولنجعل كل لحظة من حياتنا فرصة عبودية خالصة لله، إن صمنا فاستجابة لله فكانت بذاك العبودية، وإن طعمنا وشربنا فلِنتقوّى بذاك للطاعة فكانت العبودية، وإن نمنا فلاستعادة نشاط السعي إلى الله فكانت العبودية، وكذلك في كل حركة وسكنة لا تغيب معاني العبودية عن تفاصيل حياتنا، قال الله تعالى: «الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)».

يا لها من حياة مُزجت في كل تفاصيلها بالعبودية لله رب العالمين!!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة