سر إقبال النفس علىٰ الملهيات

|

قد أثارت أحوال النفس جدالات كثيرة ولا زالت البشرية تبحث في هذا الموضوع إلى يومنا هذا ، ولكن قد تميز ابن القيم -رحمه الله- من بين جميع هؤلاء الباحثين حيث كان له باعًا في أحوال النفس وأسرارها، وقد فَصَّل في هذا  الأمر تفصيلًا بديعًا، ووصل فيه لدقائق نفيسة! 

وقد بحث عن سر إقبال النفس علىٰ إضاعة الأوقات في الملهيات والغناء؛ وهو ما كان سائدًا فى هذا الوقت من أمور اللهو، أما اليوم؛ فقد تنوعت وتعددت؛ من مسلسلاتٍ وأنمي، وروايات فاسقة، وغيرها.. 

وقد فَصَّل -رحمه الله- في ذلك؛ بأن الله أودع في كل عضو من أعضاء الإنسان كمالًا- إن لم يعالجه ويقف عليه؛ فهو في اضطراب دائم، وانزعاج، وتململ؛ فمثلًا: كمال العين بالإبصار، والأذن بالسمع، واللسان بالنطق؛ فإذا فَقَدَتْ هذه الأعضاء القُوَىٰ التي توصلها لكمالها- حصل الألم والنقص. (١

وكذلك القلب؛ جعل الله -سبحانه وتعالىٰ- كماله، ونعيمه، وسروره، ولذته- في معرفته سبحانه وتعالىٰ، ومحبته، وطاعته، والإقبال عليه، والشوق إليه، والأنس به؛ فإذا فقد القلب ذلك؛ يقول ابن القيم أنه يكون أشد اضطرابًا من العين إن فقدت بصرها، واللسان إن فقد قوة الكلام والذوق؛ ولا سبيل له إلىٰ الطمأنينة؛ ولو نال من الدنيا ورغدها وعلومها ما نال، ولا سبيل لتسكين هذا الاضطراب إلا بمعرفة الله -عز وجل- والإقبال عليه. (٢) 

والنفس التي تتباعد عن سبب خلقتها؛ وهو معرفة الله -تعالىٰ- وعبادته، وطاعته؛ فإنها تجد لذلك ألمًا ونقصانًا؛ فتسعىٰ لتعويضه؛ فتبحث عما يلهيها عن هذا الألم، ويخففه عنها؛ فتلجأ إلىٰ المُسكرات؛ التي لا شك أن من ضمنها  الملهيات؛ كالدراما، والأنمي، والروايات، الخ..

وذلك لأنها تعمل علىٰ إلهاء النفس، وإمتاع العقل؛ فيلتهي بلذة وقتية قصيرة، يعقبها قسوة في القلب، وضعف في النفس! 

وكلما ازداد الإنسان إصرارًا علىٰ هذه الفواسق- زادت الغفلة في النفس ، وتبلد فيه الشعور؛ فما عاد يحس بالألم الذي كان يفر منه إليها، بل والأمَر من ذلك: نفوره من طاعة الله -عز وجل- وعبادته! 

وقصص التائبين تُبين صدق هذا الحال؛ إذ أنهم بعد معرفتهم بالله -عز وجل- وإقبالهم عليه، وإدراكهم للذة عبادته- عادت نفوسهم لفطرتها التي فطرها الله عليها، وذهبت عنهم قسوة قلبوهم، وتبلد نفوسهم، وأصبحوا في نفور وازدراء لهذه الملهيات؛ وإنما هذا يحتاج إلىٰ صدق إقبال علىٰ الله عز وجل، واللجوء إليه سبحانه، ومجاهدة النفس، والدعاء بأن يخلص الله نفسه من هذه الآفات..

وتكون التوبة شديدة كلما ترك الإنسان نفسه لهواه، واستمر في ملهياته زمنًا كبيرًا؛ وكلما سارع الإنسان لتدارك نفسه، وأقبل علىٰ ربه- كان تركه لها أيسر، وأقل مشقة، وأسهل في إزالة رواسب الملهيات من قلبه ونفسه.

وتذكر دائمًا أن الملهيات ليست دواء لذلك الألم في نفسك؛ وإنما دواؤه: الإقبال علىٰ الله جل وعلا؛ فما عليك إلا أن تبدأ بأعمال يسيرة تقربك منه سبحانه، وتشد بيدك إليه؛ تجد فيها ولو قليل أنس؛ ينمو بصدقك -بإذن الله- مع مجاهدتك لنفسك، ومنعها عن هواها، واستمرارك في طاعة الله عز وجل. 

ولتضع دائمًا بين عينيك -لتوقظ قلبك من لذة هذه الملهيات- أنها مهلكة للنفس، وإغراق لها في بحر الغفلة، وتساق لذالك دون شعور منك؛ إذ يقسو قلبك ويتبلد شعورك، وتفقد إحساسك بالألم والغفلة، وهذا أمر خطير، يجب أن تكون علىٰ وَجَلٍ منه دائمًا؛ فإذا أصاب إنسانًا -لا قدر الله- لا ينجيه منه إلا الله!

 وقد ذكرنا سابقًا مقالًا مفصلاً عن تأثير الأنمي – خصوصًا – على النفس

المصادر: 

(١) ، (٢) كتاب الروح لابن القيم

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة