قفا نتأمل الآية

|

الآية ليست كلماتٍ تُتلى فحسب، بل عالَمٌ من الهداية والجمال والأسرار؛ كلما أعدتَ النظر فيها انكشف لك من نورها ما يحيي القلب ويوقظ العقل. ومن وقف مع الآية متأمّلًا، رأى كيف تهدي اللفظة، وتربّي المعنى، وتبني الإيمان.

قفا نتأمل الآية «١»

قفا نتأمّل… أن تعلمَ سببَ نزول الآية، وتقرأ في تفسيرها المختصرَ والمطوّل، فتدركَ بعدُ مقصدَها؛ لنعيمٌ لا ترقى بلاغتي إلى بيانه، وغنيمةٌ لو مُلئتِ الأرضُ ذهبًا ما وفّتها قدرَها…

ومع هذا النعيم نعيمٌ آخر، تملّك عقلي وقلبي، وأذابني بسحرِه؛ ذلك أن تكشفَ أسرار التقديم والتأخير، والإيجاز والتفصيل، الحذف والذكر، الخبر والإنشاء… تبصرَ الألوان البيانيّة والبديعيّة، وتلحظ دقّة الألفاظ وانتقاءها… فكلُّ هذا نورٌ تبصر به القلوب، ويزداد به الإيمان بإعجاز القرآن، حتّى توحي الروح إلى صاحبها أن سبّحي بُكرةً وعشيّا!

خُذوا بعض هذه اللطائف، وعاينوا الجمال:
هاكَ مثالًا في دقّة الألفاظ: كلمة “ضِيزَى”.
ومعناها: جائرة منحرفة. فقد قسم المشركون قسمة قبيحة؛ فجعلوا البنات لله والذكور لأنفسهم! فتأمّل قبح هذه القسمة، ثم انظر كيف جاءت كلمة “ضيزى” أنسب لفظٍ لوصفها. كلمة غريبة في تركيبها، ثقيلة في لفظها، نادرة في جرسها، حتى إنك تكاد تشعر مع صوتها أن القسمة معوجّة حقًّا. ولو استُبدلت بغيرها كـ”جائرة” مثلًا لما صوّرت هذا الاعوجاج تصويرها، فكانت “ضيزى” في الموضع الذي هو أحقّ بها، وهي أحقّ به.

وأيصًا “على حَرْف” في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج – ١١]

لننظر إلى الحرف “على”
أوّلًا، هذا حرف الجر الذي قد يُظن أنّه بلا معنى! وإنّما هو عمدة في مكانه، عالٍ في مقامه؛ إذ يفيد العلوّ والاستعلاء. أمّا “حَرْف” فحافّة الشيء وطرفه، وانظر قبلُ لِقصر الكلمة وحدّتها وانقطاعها المفاجئ، ويكأنّها حافّة حتّى في نطقها! وكلّ ما في “حرف” يوحي -صدقًا- بأنَّ دينهم هشٌّ سطحيّ، لا يقفون منه في منطقة راسخة، بل على مساحة ضيّقة جدًّا، لا تحتمل أي حركة، لا تتّسع لأي بلاء؛ فعند أوّل محنةٍ يسقطونَ سريعاً!

وسأطلب منكَ أن تبحث في كلمة ﴿يتدبّرون﴾.

وقفْ عند “هذا” في قوله:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان – ٣۰]

فكلمة “هذا” مفعول به أول، و”القرآن” بدل منه. وقد يتساءل متأمّل: ما وجه مجيء “هذا” و”القرآن” بدلًا؟

والجواب يا باحثًا عن الجمال، لا مرتابًا فيه، أنّ اسم الإشارة “هذا” يفيد القرب، والتعظيم، وتصوير المشهد. وأشد ما يدهش في هذا الموضع دلالة القرب؛ فكأن المعنى: هذا القرآن كان حاضرًا قريبًا منكم، بين أيديكم، ومع ذلك اخترتم عنه البعد والهجران.

ليت شعري… كم من آيةٍ استوقفتني، وكم من لفظةٍ جذبت قلبي إليها مرارا!

هي العربيّة جنّةُ اللهِ في الأرض، وبلسانٍ عربيٍّ مُبين نزل أصدقُ كتابٍ على وجه الأرض.

قفا نتأمل الآية «٢»

﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾
صلاتك، وصيامك، وصدقتك، وصبرك، وخُلُقك الحسن، وكلّ مثقال ذرّة قدّمتَه لله؛ هو من «نورِك» يوم القيامة.
وتأمّل التعبير القرآني بدقّة؛ فالآية لم تقل: نورًا لهم، بل قالت: ﴿نورهم﴾.
والفرق بين العبارتين لطيف عميق؛ فلو قيل (نورًا) لهم لفُهِم أن نورًا يُعطى لهم أو يُجعل لهم من خارجهم، أمّا قوله ﴿نورهم﴾ فيوحي بأن هذا النور صار منهم، جزءًا من هُويّتهم، نابعًا من أعمالهم التي قدّموها في الدنيا.
فلم تعد الطاعات شيئًا مضى أثره، بل تحوّلت نورًا يفيض من صاحبه يوم القيامة.
ثم إن الإضافة في العربية تفيد الاختصاص والتشريف، فكأن الله ينسب هذا النور إليهم تكريمًا لهم.


اقرأ الآية مرة أخرى على مهل…
ثم توقّف عند لفظة: ﴿يسعى﴾.
السعي في اللغة يدل على القصد والاجتهاد وسرعة الحركة. وقد ذكر أهل التفسير أن سعي النور هو امتداده وانتشاره؛ غير أن التعبير القرآني صوّر هذا الامتداد بصورة السعي، فكأن نور المؤمن يندفع أمامه مسرعًا، يضيء له الطريق ويهديه.
و(يسعى) أبلغ من (يضيء) مثلًا؛ لأن الإضاءة تصف وجود الضوء فحسب، أما السعي فيصوّر حركةً واندفاعًا.


تخيّل المشهد:
نورٌ وُلِد من أعمالك في الدنيا، يمتد أمامك يوم القيامة حتى صوّره القرآن كأنه يسعى، يستعجل بك إلى النجاة.
وهذا أعذب ما في الصورة:
بالأمس كنتَ تسعى بالطاعة، واليوم يسعى نورها بك!
لقد انتهى زمن المجاهدة، وجاء زمن جني الثمار.
صدق من قال: المُستراح الجنّة.
وابحث -إن رُمت رواءً آخر- عن السرّ في قوله هنا: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى﴾، وقوله في موضعٍ آخر: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾.
ولا تتعجّل المرور على بقية الآية…
﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾
لم يقل: أمامهم؛ لأن لفظة أمام قد تدل على شيء يقع في الجهة المقابلة ولو كان بعيدًا.
أما التعبير بـ(بين أيديهم)، فيوحي بالقرب الشديد والمصاحبة، كأن النور ملاصق لهم، منبثق من ذواتهم، ممتدّ منهم ومتقدّم عليهم في آنٍ واحد.
ولهذا جاءت اللفظة منسجمة تمامًا مع قوله: ﴿نورهم﴾؛ نورٌ منهم، يسير معهم، ويتقدّمهم.
﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾
واليمين في لسان العرب ترمز إلى البركة والشرف والتمكين، وهي في القرآن مرتبطة بأهل النجاة: أصحاب اليمين.
ومن دلالاتها كذلك: العهد والوفاء؛ فقد كان العرب إذا تعاهدوا وتحالفوا ضرب بعضهم أيمانهم على أيمان بعض، فصارت اليمين رمزًا للميثاق الصادق.


وكأن في الآية إشارة لطيفة:
هذا النور الذي يسعى بين أيدي المؤمنين هو ثمرة عهدٍ صدقوا فيه مع الله، فصدقهم الله وعده، فلم ينقصهم من أعمالهم شيئًا، ووجدوا ما وُعدهم ربّهم حقًّا.
وهذا النور -الذي وُلِد من الصبر على الطاعة، وكفّ النفس عن الهوى- يطلبه المنافقون يوم القيامة:
﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾.
كانوا بالأمس يسخرون من أهل الطاعة، ويصفون عبادتهم بالتشدّد والجمود، ويرون أن التفلّت من الدين هو طريق التقدّم، ثم يقفون اليوم يستجدون قبسًا من نورهم.
لكن هيهات…
فالنور الذي يُرجى في الآخرة، إنما يُصنع في الدنيا.


وهكذا يتجلّى شيء من جلال الأسلوب القرآني، ولقد صدق إمام البلاغة، الجرجانيّ، حين قال في وصف إعجاز القرآن الكريم: «إنَّ لهذا الكلامِ نَسجاً لا تقدِرُ عليه القوى، ونظماً يخرجُ عن طوقِ البشر».

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة