“صرخةُ الفرح التي خُلِّدت في القرآن”؛ { فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ }
[سورة الذاريات: ٢٩]
- في صَرَّةٍ: أي لما سمعت امرأته البشارة أقبلت تصيح من الفرح.
- ولم تكتفِ بالصراخ بل فَصَكَّتْ وَجْهَهَا:
- أي فلطمت وجهها.
- هل انتهت دهشتها وتعجبها؟
- كلا.
- خذ الثالثة: وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ:
- وقالت متعجبة:
- أتلد عجوز، وهي في الأصلِ عقيم؟!
ماذا تعلّمنا سارة زوجة إبراهيم رضي الله عنها وأرضاها هنا؟
لاحظوا: زوجةُ نبي، وليس أيّ نبي، إنّه إبراهيم عليه السلام خليل الله وأبو الأنبياء، صلوات ربي وسلامه عليه.
يعني بمعناه عندنا زوجة شخصيّة من أعالي القوم.
وكبيرةٌ في السّن، والمعروف عن كبار السن الرّزانة والثّقل، وعدم الاندهاش، وحاشاها أن يكون هذا ذمًا في حقها، كلا.
ولكنّ المعروف في عرفنا العاميّ والصحراويّ طبعًا وما عرفناه نحن عن كبار السن أنهم أهلُ رزانةٍ وحكمة، صقلت التّجارب نفوسهم، وهدَّأت الأيام اندفاعهم؛ فلا يندفعون مع المفاجآتِ سريعًا، ولا تُباغتهم الدهشة كما تفعل بغيرهم، بل يتلقَّون الأمور بوقارٍ وهدوء، وينظرون إلى الأحداثِ بعين التجربةِ واتزان العقل.
وثالث شيءٍ لفتني هو أنّها في حضرة الملائكة، وليس أيّ ملائكة، بل ممن اصطفاهم الله، وكان فيهم جبريل عليه السلام، رسول ربنا إلى سائر أنبيائه ورسله.
ومع هذا كله لم تُخفِ أمّنا سارة دهشتها.
في زحمة هذه الاصطفاءات التي اصطفاها الله بها، شقَّت صرختها كل هذا الزحام، ومزَّقت كل تلك المزايا والخصال ورهبة الموقف والزمان والمكان التي خصَّ الله بها آل إبراهيم عليهم السلام، لتخرج لنا صورة في قمة الجمال:
رقةُ المشاعرِ،
ورهافةُ الحسِّ،
وطفلةٌ في جسدِ عجوز.
وصكَّتها التي لامست خدَّها، هل كانت تعلم سارة أنها سوف تُخلَّد في كتاب الله، ويتلوها أجيالٌ وأجيال؟
وهل كانت تعلم أنّنا سوف نسمع تلك الصكَّة بقلوبنا ونعيش الموقف معها؟
هي لا تعلم.
وحتى وإن علِمت،
فكل ما تعرفه وقتها هو أن تندهش، وتعيش دهشتها بكل حذافيرها.
ولسان حالها: اقتباس لأحدهم:
“اندهشوا…
لا تُخفوا دهشتكم،
لا تتماسكوا أمامَ ما تشعرون به،
دعوا شعورَكم ينفلت من قيوده،
دعوا قلوبَكم تتكلم،
دعوا ملامحَكم تفضحكم،
فبعض اللحظاتِ لا تُعاش إلا بصدق الانفعال.
أنتم كتلةٌ من المشاعر،
لا يناسبكم التجاهل،
ولا يشبهكم الجمود.”










