﴿بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ كلّما مررتُ بهذه الآية رقَّ قلبي لها، وشعرتُ بنفسي فيها.
رِقَّةُ المعنى تُبكيك، وضياء الحرف يلامس أعمق نقطة فيك؛ في كل كلمةٍ قصة لا ترويها الكلمات.
تبدأ الآية بمخاطبة سيدنا إبراهيم لربه، حبيبه وخليله:
﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾
يا الله… ما أدفأ الخطاب!
يحادثه محادثة الآمِن، مثلما تحادث من آمنتَه وألفتَه وكشفتَ له نفسك، فتطلب منه ما تودّ دون تكلّف في الحديث، وتقول: يا صاحبي، أرِني كيف تفعل هذا؟
صدقًا، هذا حديث الآمِن مع من أمِنَه، وحديث القريب مع من آنس بقربه. يسأل بلا تكلّف، ويطلب بلا حرج.
ومن العجيب هنا أنه قال: ربِّ، ولم يقل: يا رب؛ أي دليل على شدة القرب!
فالله الله… خيرُ صاحبٍ وقريب، ما ألطفه وما أقربه! كيف لا يلين الفؤاد هنا؟
﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾
هنا بكيت… بكيت؛ لأن الرد جميل، ولأن الإجابة حبيبة رقراقة.
ردٌّ رقيق، واستفهامٌ حبيب، لا عتاب فيه ولا جفاء، بل تذكير لطيف يفيض أُنسًا.
وكأن شخصًا ما يسأل شخصًا ما فيقول: أرِني حبك، فيقول له: ألا تؤمن به؟ ألا تؤمن أني أحبك؟
حديثٌ ذو شجون… الحديث والرد يُبكي العيون. نعم، الرب القريب.
فيجيب: بلى… ولكن ليطمئن قلبي.
﴿بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
هكذا أجاب الخليل بصدق البشر وصفاء المؤمن.
أقول: إن هذه حاجة بشرية في الإنسان؛ لذا أقول إن كلًّا منا بلا شك وجد نفسه في هذه الآية.
كم مرة حادثتَ ربك وقلت — وإن اختلفت طريقة القول —:
ربِّ، أعلم أن رزقي لستَ بمضيّعه، ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
ربِّ، أعلم وأوقن أن ما وقع لي هو الخير، بل كل الخير، ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، اكشف لي جزءًا من حكمتك.
ربِّ، أوقن أن النصر لنا بلا شك — فهو وعدك — ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، أرِني بشائره.
ربِّ، أعلم أنك تسمعني وترى ما بي وفيَّ، ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي، طمئن قلبي برسالاتك.
ربِّ، أوقن أن ما فعلتُه هو الصحيح الذي يرضيك — وإن لم يُرضِهم — ولكن طمئن قلبي أنك معي، ولستُ وحدي، وأنك مني قريب.
ولكن… ولكن… ولكن…
كم تخبئ هذه الكلمة من قصصٍ صامتة!
آهاتٌ تدفنها القلوب، وحاجاتٌ لا يبوح بها اللسان.
طلب سيدنا إبراهيم لم يكن شكًّا — حاشاه — بل هو طلبُ من آمن وأمِن، بل كان شوق يقينٍ إلى مزيد يقين؛ فصرّح ببشريته ليطمئن قلبه، وينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين.
﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، وَاجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
أتت إجابة ربنا سريعًا، دون عتاب، دون زجر، دون شيء سوى الإجابة والإحسان… ربُّنا الرحيم ذو الإحسان والإكرام.
ربُّنا الرؤوف الودود يذكر في آخر الآية أنه عزيز في ملكه، حكيم في أمره وشرعه. أعجز أن أصف إجابته على نبيه لما فيها من الرقة والرحمة… هو بالفعل أرحم من الأم بولدها. نعم ربُّنا.
وبالله آمنت،
والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب.










