في الزنازين الباردة، خلفَ القضبان التي لا تُرى منها السّماء، تحتَ وطأة التَّعذيب الشديد، يقُفُ الأسير الفلسطيني ثابتًا كالجبل، مُقيّد الجسد، حرُّ الروح.
تُسلب منه حُريته، يُعذَّب، يُحرم من أهله، من صوته، من أبسطِ حقوقه!
لكنه لا يُسلَب إيمانه، ولا تُكسر كرامته.
هناك… في العتمة، يولَدُ النّور.
بالمقابل، نحن خارجَ القضبان، لكننا نحمل قيودًا لا تُرى، وهنا المعضلة الكبرى… كونها لا تُرى.
قيود الشَّهوة التي تُثقل القلب حتى يُصبح عاجزًا عن الطاعة، وقيودُ الغفلة التي تُطفئ نور البصيرة، وقيود الدنيا التي تُشبع الجسَد وتُميت الروح، وقيود الانبهار بالغرب والتَّبعية العمياء له حتى صار بعضنا يستحي من هويته، ويُعظّم غيره على حساب دينه. وقد قال النبي ﷺ:
“تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة…” (رواه البخاري)
صارَ الأسير هناك أكثر حريةً ممن يمشي هنا بلا قيد.
النَّصرة حالٌ في القلبِ قبل أن يكون فعلًا في الواقع.
ولن تُنصر قضية وأنت مهزوم في داخلك،
فهذه النصرة تبدأ من الداخل، لأن الله لا يُغيّر حال أمة حتى تُغيّر ما بنفسها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
ولن تُحرّر أسيرًا وأنت أسير.
وأسرك أكثر تعقيدًا من أسره هو.
البداية ليست هناك… البداية هنا، في نفسك.
بتحرير النفس من الذنب، تحرير القلب من التعلّق، تحرير الروح بالعودة الصادقة إلى الله.
لأن الحرية الحقيقية ليست حرية الجسد، بل حرية القلب.
لن تنصر قضية وأنت مهزوم في نفسك، ولن ترفع مظلومًا وأنت غارق في ظُلمك لنفسك.
ابدأ بنفسك… لتكون أهلًا للنصرة.
انصر دينك في قلبك، انصر صلاتك من التضييع، انصر قرآنك من الهجر، انصر أخلاقك من التنازل، انصر هويتك من الذوبان.
ثم…
ارفع صوتك، وادعُ، وانشر، وقاطع، وادعم بما استطعت في حدود ما شُرع لك.
إنها ليست مجرد قضية أرض…
إنها قضية دين، وعقيدة، وكرامة.
والأمة التي تُحرّر نفسها… لا تُهزم، وهي وحدها التي تحرر أسراها.
والقلوب التي تُصلح باطنها… يُصلح الله ظاهرها.
أما من بقي غارقًا في غفلته، مُكبّلًا بشهواته، مبهورًا بغيره…
فلن يكون إلا شاهدًا صامتًا على الألم، لا صانعًا للنصرة ومساهما فيها. يعيش خاذلًا لنفسه ودينه.
وفي الختام…
تتجلّى كلمات ابن تيمية وهو في السجن، وقد ظنّوا أنهم قهروه، فقال:
“ما يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.”
هكذا يكونُ الحر…
حتّى في القيودِ.










