“لا يكُنِ الشَّيطانُ أَفْطَنَ منك!”

|

“لا يكُنِ الشَّيطانُ أَفْطَنَ منك!” إن المؤمن الحق يا ولدي، ليتعهَّدُ قلبَه دائمًا بالتمحيص والمراقبة، حتى يكون اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهما. واعلم يا ولدي أنَّ للشيطان مسالكَ شتى ليُضعفَ إيمانَك منها، ويهجمَ عليك فيها هجمةَ الذئبِ على الشاةِ القاصية، مهما تبادر إلى قلبك أنك قد غلَّقتَ عليه الأبواب، وصددتَ عن نفسك مداخلَ الشبهات والشهوات جميعًا مما تعرفها.

وإن الشيطان يا ولدي لأعلمُ بنقاط ضعفك منك، فيُباعثُك فيها ويدخُلك منها فيُزيِّنها لك لتراها حسنة، وما هي بحسنة. ثم يُزيِّنها لك فتراها مسابقةً في الخيرات، وأنك إن تقبل عليها بكليتك تفُز فتكون من المحسنين، وما أنت من المحسنين. فيُوهمُك بحسن نيتك وصدقك وعفويتك حتى يجرَّ عليك من فساد قلبك ما الله به عليم، فتُعَرَّفَ بقلبك فلا تعرفه، لأنه انقلب عليك في حين غفلة منك.

فإن تَفْطِنْ لهجمته الشرسة عليك يا ولدي، فَفِرَّ بقلبك من كيد الشيطان وشِرْكِه، لينقلب خاسئًا حسيرًا، فلا يكُنْ أَفْطَنَ منك. واحمل فؤادك المثقَّل بالخطايا على عَصَا ترحالك، واسلك به مسالكَ وَعْرةٍ لم تسلكها قط قبل هذا، واخْتَلِ بقلبك في مدرسة النور الأولى، تربيةً له بآي القرآن، ورَيًّا له من نبع الوحي كتابًا وسنة. وداوِ قلبك العليل يا ولدي من أسقامه، واعرف مواطن الفتق فيه لتغرزها، ونقِّه مما علق به وأثقل جناحه عن التحليق، ثم انطلق به في سماء الله خفيفًا كالريح، لا يفصل بينك وبين حُسْن لقاء الله إلا الموت. آهٍ، وما أطيَبَ الموتَ إن بُشِّرتَ بلقاء الله!

وإن كان لي من وصيةٍ أودعها بين جوانحك يا ولدي: لا يَفْتُرْ قلبُك عن مسألة الله البصيرة، أن يبصِّرك الحقَّ حقًّا ويرزقك اتباعه، وأن يبصِّرك الباطل باطلاً ويرزقك اجتنابه ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وما دمت تشهد من قلبك وَجَلاً وتخشى أشدَّ ما تكون الخشيةُ انقلابَ حاله عليك، ولا تأمنُ نفسك عليه أبدًا، وأنت في طريقك إلى الله ترجو رحمته وتخشى عذابه، فأبشِرْ إذاً، أنت لا تزال بخير بإذن منه سبحانه، وعين الله ترعاك.

والنذيرُ لك يا ولدي: إن أوكلتَ أمر هدايتك لك أنت، ورأيت أن ما أوتيتَه بيدك أنت، وأنك أسبقُ إلى الله من غيرك، حينها يَكِلُك الله إلى نفسك فتَهْلَك أبدًا. ولتشتدَّ يقظتُك كلَّما ارتقيتَ في معارج السالكين، ولتكثر توبتُك وأوبتُك وتفقُّدُك لأحوال قلبك أبدًا، واستغفر ربك بالغداة والعشي أبدًا. فإن للشيطان يا ولدي هجمةً شرسةً على القلوب المحبة لله التواقة إلى لقاء الله، وقلَّما ينجو منها أحد. ومن نجا فإنما نجَّاه الله وحده لا شريك له.

فيا ولدي، لا يَفْتُرْ قلبُك عن اللهَجِ والاعتصام بهذا الدعاء أبدًا: “يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين”. فإن تصبْك رحمةُ الله لن يصبْك عذابٌ قط، وتأمنُ بإذنه سبحانه في الدنيا والآخرة، وما أدراك ما رحمةُ الله يا ولدي! ثم نادِ ربَّك تضرُّعًا وخُفْيَةً: “وأصلح لي قلبي كله”. فإن صلُح قلبك يا ولدي، وذهب منه حظُّ الشيطان، صلُحت جوارحُك كلُّها، وكانت لما امتلأ به قلبُك تبعًا. وما كان لآنية القلب المَلأى إلا أن تفيض على الجوارح، فإن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

والسلام لقلبك الذي يحب الله ورسوله.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة