خلفَ خُطواتِ الطفولةِ مشيتُ “ج5”

|

خلفَ خُطواتِ الطفولةِ مشيتُ

الذكرياتُ حقائبُ نحملها معنا أينما رحلنا، نحملها كما يحمل المرءُ روحَه بين جنبيه. نشعر أنها أمانةٌ أشفقت منها السماواتُ والأرضُ والجبال، حتى يأتي يومٌ نُسلّمها فيه إلى الأجيال من بعدنا. نسارع إلى تدوينها قبل أن يطويها النسيان، فنكتب للسابقين كلَّ ما نتذكّر، لعلَّ أحدهم يجد نفسَه في إحدى تلك الحكايات، ونكتب للاحقين، لأولئك الذين لم يجدوا من يروي لهم ما جرى في الأيام الخالية. هَلُمُّوا بنا إلى أيامٍ عتيقةٍ مضت، ولم يبقَ منها سوى شذراتٍ مختزلةٍ في أدراج الذاكرة.

كان الأطفال يحملون القهوة والتمر إلى الجامع، حيث يجتمع رجال القرية قبيل المغرب بقليل. إنها ليلة الخميس، وما هي إلا لحظات حتى تتعالى الأهازيج الصوفية في الأرجاء:

مَرْحَبًا مَرْحَبًا يا نُور عَيْنِي
مَرْحَبًا مَرْحَبًا جَدَّ الحُسَيْنِي مَرْحَبًا

ثمّة عوالم لا يعلم عنها أحدٌ شيئًا، ولا يعلم أهلُها عن العالم شيئًا. غارقون في الظلمات، ولم يجد النورُ إليهم منفذًا يعبر منه. فهل ترى ستشرق عليهم شمسُ الإسلام الصافي، الذي لا تشوبه شائبة، عن قريب؟

— لماذا أنتِ شاردة؟
— أوه… لقد عدتِ ثانية. لقد كثرت زياراتكِ لي في الآونة الأخيرة.
حرّكت الطفلة كتفيها وجلست بجانبي قائلة:
— إنهم من ليبيا، أليس كذلك؟
— نعم… نعم. لا أزال أذكر كيف جاء أولئك النفر الثلاثة إلى قريتي، وانتشلوا أهلها من أحضان الصوفية.

فتاةٌ وأخوها، يكبرها بعامٍ أو عامين، يصعدان إلى العَلِيَّة، فيأتيهما صوتٌ من الخلف:
— إياكما والعبثَ بكتبي!

أو بالأحرى: كانت كتبَ رجلٍ عراقي افتتح ورشةً في السوق، وعمل معه بعضُ شباب القرى، وكان أخي الأكبر من بينهم. كان يُعيرهم بعض الكتب والأشرطة ليستفيدوا منها. وقد حملت تلك الكتب بين طياتها أولى الخطوات إلى نور الله. فهل كان قصدُ ذلك العراقي توظيفَ الشباب فحسب، أم تجديدَ التوحيد في تلك القرى النائية؟ وهل يعلم ما الذي أيقظته تلك الكتب والأشرطة في قلوبٍ يابسة، ورثت شيئًا من ظلماتٍ كان يرزح تحتها أجدادُنا، الذين كانوا — إلى عهدٍ قريب — يتبركون بالقبور، ويشدّون إليها الرحال؟ لكنّ الله بعث إلينا ثلاثةَ أقمارٍ من سماء ليبيا، إلى حيث كان الظلام يلفّنا، فأضاءوا لنا ليالينا.

وفجأةً أشعر بأن الرؤية تغدو ضبابية، وكفّين صغيرتين تمسحان عينيّ، وتزيحان ما علق فيهما من نعاس. عليَّ أن أستيقظ سريعًا… فاليوم هو الجمعة؛ اليوم الوحيد الذي يبدأ فيه البثّ التلفزيوني منذ الصباح الباكر. في تلك الأيام، لم تكن تعلو على أسطح القرى أطباقُ الاستقبال، ولم يكن هناك سوى قناتين محليتين. وكان علينا — أنا وإخوتي وأبناء القرية وبناتها — أن نجلب التراب قبل بدء البث، لتفرشه الأمهات في البيوت، ثم يرششنه بالماء ليثبت؛ إذ لم تكن أرضيات البيوت يومها من الإسمنت أو البلاط.

كان يوم الجمعة أطولَ أيامنا؛ نعيش تفاصيله لحظةً بلحظة، فلا يفوتنا منه شيء. كانت الجمعة تأتي بعد غياب أسبوعٍ كامل، وكأن الأسبوع لا ينقضي أبدًا. الجمعةُ كانت عيدَنا الذي ننتظر شروق شمسه بشوقٍ لا يوصف، وكأن موعده بعيدٌ للغاية. الجمعة تعني ذهاب الرجال إلى السوق لجلب حاجات البيت، وتعني انشغال الأمهات بإعداد الغداء منذ الصباح الباكر. في يوم الجمعة، كانت الأم تتقمص جميع الأدوار: تطبخ، وتجهّز ملابس الأب والأبناء، وتغسل لهذا، وتُلبس ذاك، وتبخّر البيت وتنظفه، وترسل شيئًا مما صنعت إلى الجيران.

كانت البيوت — على بساطتها — نظيفةً مرتبةً وأنيقة. وفجأةً أجدني أقف عند نصٍّ ما… هل تعرفون ذلك الشعور حين يجد المرءُ نفسَه في كلماتٍ كتبها غيره؟

وقبل أن أودّعكم، على أمل اللقاء في ذكرياتٍ أخرى من الطفولة، أترككم مع هذا النص الذي وجدتُ فيه صورةً صادقةً لما عشناه في تلك الأرياف:

“أحبُّ البيوتَ، وعلى فقرها نظيفةً. أحبُّ محاولات الأمهات في إصلاح كل شيء؛ الشقوقُ مرمّمة، والحوافُّ مكنوسة، والأقمشة البالية — رغم ترقيعها — نظيفة. الأطفال غير مهمَلين، وعلى بساطة هندامهم تبدو عليهم مظاهر العناية والنظافة. الفقر لا علاقة له بالوساخة، ولا يمكن أن يكون البيت غيرَ نظيفٍ لمجرّد أن أصحابَه فقراء.”

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة