اعمل بصمتٍ ودع النجاح يصنعُ الضجيج

|

وفي الأثر: (استعينوا على قضاءِ حوائجكم بالكتمان)، وهذا منهجٌ قد اتّبعهُ معظم الحكماء والمُنجزون في مسيرتِهم العملية، ففي عالمٍ يعجُّ بالضجيج والصخب، حيثُ يسعى الكثيرون للفتِ الانتباه والتفاخر قبل أن يُنجزوا شيئًا يُذكر، تأتي هذهِ الجُملة لتُعيد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح، مُذكّرةً بأنَّ القيمةَ الحقيقية لا تكمنُ في صخبِ البدايات أو زيف المظاهر، بل في جوهر العمل الصادق ومتانتِه.

والعمل بصمت، يعني التركيز التام على الجهدِ المبذول، والإتقان الذي يُلامس حدَّ الكمال، والإخلاص في السعي، بعيدًا عن التفاخر المُسبق أو انتظار المديح العاجل. وهو إيمانٌ عميقٌ بأنَّ العمل الجادَّ والمُتقن لا يحتاج إلى إعلاناتٍ مُسبقة، أو طبولٍ تُقرع ليُلتفَت إليهِ؛ فتجذّر الشجرة في أعماقِ الأرض لا يُسمع صوتُه، لكن ثمارها الطيبة تُجنى، لتتحدث عن نفسها بفخر.

ثُم أنّ العمل عندما يكون مبنيًا على أسسٍ راسخةٍ من الصدقِ والمثابرة والتفاني، فإنَّ النجاح يكون حتميًا ووشيكًا، وهوَ حينئذٍ يصنع ضجيجًا من نوعٍ مختلفٍ تمامًا؛ ضجيجٌ لا يُطلقهُ صاحب الإنجازِ ليلفتَ الانتباه إليه، بل هو صدًى لأثرٍ عميقٍ تركهُ عملهُ في هذا الوجود، أثرٌ يتجاوز الزمان والمكان.

وهذا الضجيج، قد يتجلّى في تقدير الناس الذين يلمسون ثمرة جهدك، ويلمسون أثرَهُ الطيب في حياتهم، فيعترفون بقيمتهِ دون حاجةٍ لإخبارهم بهِ أو الطلب منهم. وقد يكون في تأثير العمل ذاته؛ فالمشاريع العظيمة، تتحدث عن نفسها بوضوح، والأفكار الرائدة تُغيّر مجرى التاريخ وتُشكّل وعيَ الأمم. وقد يظهر في الإلهام الذي يُحدِثهُ نجاحك في نفوسِ الآخرين؛ فحين تُصبح قصة كفاحك ونجاحك الصامتة قصةً تُروى وتتناقل بين الناس، تُحفّز الآخرين على السعي والمثابرة وبذل الجهد، دون أن تسعى أنت لذلك الإلهام بشكلٍ مباشر.

وفي عصرنا هذا، أصبحت الشاشات هي المنبر الوحيد، و”المشاركة” الدائمة، هي العملة الرائجة لكسب الاهتمام ولفت الأنظار… ومع ذلك، يبقى للصمت قيمته الفريدة التي لا تُقدّر بثمن. فالصمت هنا، ليس مجرد غيابٍ للصوت أو امتناعٍ عن الكلام، بل هو حضورٌ قويٌّ للتركيزِ المطلق على الهدف الأسمى، وإخلاص للنوايا الصافية، ورؤية واضحة لِما هو أهمُّ وأبقى.

فهو القدرة الفائقة على فصل النفس عن عوامل التشتيت التي لا حصرَ لها، والابتعاد عن البحث المُتلهف عن التصفيق العاجل أو الاعتراف الفوريِّ، والثقة المطلقة بأنَّ الجهد الصادق سيُثمر يومًا، وأنَّ النتيجة النهائية ستكون أبلغ وأقوى وأعمق أثرًا من أيِّ كلامٍ أو ضجيجٍ مفتعل.

فلتكن خطواتنا هادئةً راسخةً في دروبِ الحياة، ولندع أعمالنا تتحدث عنا بوضوحٍ وجلاء، ولنترك نجاحاتنا تُدوّي في الآفاقِ وتُسمع أصداءها في كلِّ مكان، بصوتٍ أعلى وأبقى من أيِّ ضجيجٍ فارغ.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة