﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ﴾

|

﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ﴾ نقتطف من إنابة يعقوب عليه الصلاة والسلام إلى ربه حين اضمحلت آماله، وتقشعت أجزاؤه في فقد ابنه الحبيب وسجن ابنه الآخر، فإنه لم ييأس من لقائهما، ولم يقنط من رحمة الله بأن يفرج كربته ويجمعه بيوسف، الذي ظن إخوته أنهم خدعوا أباهم وكسروا قلبه بصورة يوسف المأكول.

لم يكتفِ يعقوب بالدعاء وحده حين عاتبه الأهل والأقربون، واستخسروا أحزانه وهمومه: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴾، فردَّ عليهم باتكاله وعزلته في جنب الله: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾، ثم واصل إلحاحه وبذل الأسباب في سبيل استجابة الدعاء: ﴿ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾. فليست القضية أن يدعو فقط، بل أن يسعى المرء ببذل الأسباب وهو يدعو، وليست القضية أن يتكل على الله فقط وهو في وسعه أن يقوم بشيء في سبيل اتكاله، بل أن يجمع السبيلين إن استطاع.

لقد عرف يعقوب مراد الله حين دعا، فشكا همه وبثَّ حزنه لله، ولم يتوقف عن البحث والتحسس في أثر يوسف وأخيه. لم يكن بفعله هذا قانطًا من أمله بربه، بل كان دليلاً على إثبات حسن ظنه بالله بأنه سيلقى ما فقده. أحسن الظن إلى درجة أنه أوصى أبناءه بالتقصي عن أخبار ابنه المفقود وأخيه، مع أن صورة يوسف المأكول ربما لم تبرح مكانها في خياله. ومع اتصال أمله بالله بالدعاء والعمل، والتزامه الدائم بهاتين الوسيلتين لتحقيق رغبته، تجلَّت له آثار النتيجة بفضل الله ورحمته: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾، وذلك قبل أن يتيقن من الخبر والرؤية. ثم بعد ذلك لامس النتيجة بيديه: ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾. فسبحان من يغرف لعباده من سعة فضله ورحمته وهدايته.

وهنا تتجلى لنا حكمة الله بأنه لا يترك عبده الذي يدعو ويبذل العمل سدى أبدًا، بل يقرِّب إليه دعواته على مهل وعلم. فقصة يوسف ذاتها لم تكن أحداثها في الحقيقة سريعة كما نقرؤها في السورة، بل كانت طويلة بالامتداد الزمني الذي يشتد فيه الكرب أكثر فأكثر، والشواهد من حوله تدله على استحالة الفرج. صبر يعقوب على طول الزمن في فقد أثيره، حتى غشيه الهم، وأحالت كثرة دموعه التي تسربت من عينيه إلى بياض خالص، مؤشرة له بالعمى التام. فلنستشعر حكمة الله وسننه في تقدير الأمور، فالحسابات الإلهية مختلفة عن الحسابات البشرية القياسية. فالله عليم، بصير، خبير، حكيم، قدير، وكفى بهذه الصفات أن تجعلك موقنًا محسنًا للظن به. لكن أن تترك العمل ويستوي عندك أن الدعاء يكفي، فهو يكفي بإذن الله، ولكن أرِ الله من نفسك خيرًا، حاول أن تعمل كي يجعلك هذا العمل تشعر أنك قد حاولت، وأنك ما زلت تتمتع بإنسانيتك التي وهبها الله لك، شاكرًا له على ما وهب، وباذلاً بها ما ترجو. وإياك أن يأخذك الغرور بالاستغناء عن معونة الله وتوفيقه وأنت تعمل وتجتهد، فالله هو الذي مهد كل شيء وسهَّل ويسَّر ودبَّر، فكل شيء تعمله موصول أمره إلى الله، وإنما بذل الأسباب نوع آخر من الاستجابة لأمر الله.

ثم يذكرني موقف النبي يعقوب عليه الصلاة والسلام بموقف آخر، وهو موقف مريم عليها الصلاة والسلام حين جاءها المخاض إلى جذع النخلة. في هذه اللحظة العصيبة تشتد الخطوب والهموم على قلبها، تحاول الفرار والاختفاء ولا تستطيع، تحاول أن تكون نسيًا منسيًا لا وجود لها ولا تستطيع، فيواسيها ربها بأن لا تحزن، ثم يلهمها ببذل السبب وهو أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب وتقر عينها بالمولود والنعم. يعلم الله مقدار الهم الذي تمر به، ويعلم مقدار الألم الذي عليها تحمله، ويعلم مقدار الخوف والحزن الذي ألم بها، إلا أنه يلهمها بهز الجذع. وهز الجذع ليس بأمر بسيط، وهي في حال ضعف لا يخولها لرمي الحصى حولها، فضلاً عن هز الجذع! لكنه عملٌ بالأسباب، محاولة بسيطة لتغيير شيء ولو لم يُرَ.

﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ﴾ لنستشعر أن الله قد تكفل بالنتيجة قبل أن ندعو ونعمل، وتولَّى أمر هطول الثمرة قبل أن نزرع ونسقي، ولكن كان على العبد أن يسعى لها قبل أن يلمس النتيجة، أن يُريَ الله محاولاته الأخيرة وإن نفدت، أن يتحرك لتغيير شيء وإن لم يتغير! وأن يكون لسان حاله: “يا رب، بذلتُ لك ما أستطيع، فهب لي ما لا أستطيع”.

فلا نظن أننا حين ندعو ونسكن بالدعاء إلى الله أن ننسى أنه فتح لنا أبواب العمل في سبيل ما ندعو. ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فلنبذل ما نستطيع، ولنترك الأمر كله لله، فهو يأتي بالثمرة في موعدها المناسب بما تقتضيه حكمته. وأما نحن فليس لنا نصيب منها إلا الدعاء والعمل.

بقلم: مروة السومحي

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة