“الابتلاء؛ محكّ القادة ومُكوّن العظماء” الحمدُ لله أنّ كل ما يصيب المؤمن فهو خير ورحمة، وسببٌ لكفّارة ذنوبه ورفعة درجاته. وفي ساعات الابتلاء تعلّمتُ أن الإنسان لا يكون في أصدق حالاته إلا حين يكون خاضعًا لربّه، مستسلمًا لأمره، لا يتكبّر ولا يغترّ بقوّته. قال تعالى: ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾.
فالابتلاء هو الذي يكشف معدن الإنسان، ويُنزل في صدره السكينة، ويملأ قلبه بالشوق إلى مولاه جلّ وعلا، ولتكفير الذنوب ورفع الدرجات. وهناك، في عمق المحنة، يستشعر العبدُ معاني العبوديّة حقًا، فيعلم أنّه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه.
ويا لروعة تلك اللحظات؛ لحظات تصقل الهمم، وتُخرج النفس من حولها وقوّتها إلى حول الله وقوّته، فتحسن الظنّ بربّها وتتوكّل عليه، لا تخاف إن فاتها شيء، ولا تقلق مما يصيبها، فقد أخبرنا رسولُ الهدى ﷺ أنّ أمر المؤمن كلُّه خير.
وفي هذا المقام يذوق العبد حلاوة الجهاد في سبيل الله، ويعيش حقيقةً عظيمة: أنّ كل أذيّة تصيبه تُذيب خطاياه وتبدّلها حسنات، إن صبر واحتسب. وهذه قضية يغفل عنها كثيرٌ من المبتلين: أن الابتلاء كفّارة ورفعة، لا عقوبة ولا هوانًا. وقد جعل الله تعالى هذه الحقيقة ميزانًا يختبر به الناس، فقال:﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾.
أفحسبتَ أيها الإنسان أن تنال الرفعة، وتبلغ المنارة، وأنت لم تعش يومًا في مدرسة الاختبار؟ أتريد أن تكون قائدًا، وخلفك سرية كاملة من الجيوش والعتاد، وأنت لم تثبت أمام اللأدواء التي مسّتك؟ إن القائد إن لم يتربَّ على الصبر وشدّة الأيام، فكيف سيقود جيشًا كاملًا ليواجه جموع الأعداء؟ وكيف يثبت أمام بوارق السيوف من لم يصبر أمام ضرّاء؟
يظن العبد أحيانًا أنّه قادرٌ على مقاومة الشدائد بقوّته وحده، حتى يجلس على فراش المرض ساعة واحدة؛ فيدرك ضعفه، ويرى كيف تهتزّ أوصاله، وتغلبه عيناه دموعًا، فلا يجد حيلة إلا أن يهرع إلى ربّه. وهناك يعرف أنّه لا دافع للضرّ إلا الله، ولا شافي إلا هو، فيستشعر عظيم رحمته، وأنه جلّ في علاه لا يترك عبدًا لجأ إليه. إن صبر جازاه الإحسان، وإن احتسب أعطاه فوق ما يتمنى.
غاية الإنسان أن يبلغ مرتبة الرضا عند ربّه، وأن يكون من المقرّبين منه يوم القيامة. وأن يُلقي الله في قلبه نورًا يضيء له الطريق، ويملأه بحبٍّ سرمدي لا يعدله شيء.
فالابتلاء ليس عثرة، بل سُلّمٌ يصعد عليه القادة، ومحكٌّ تُصنع فيه النفوس العظيمة. ومن خرج من نار الابتلاء ثابتًا، خرج أقوى مما كان، قادرًا على أن يقود، ويُلهم، ويصنع الفرق. ففي مدرسة الابتلاء تُصقل المعادن، ويُعرَف القويُّ من الضعيف، وهناك يُولَد القائد الذي لا ينكسر ولا يستسلم.
اللهم اجعل ابتلاءاتنا رفعةً لنا، وسبيلًا نرتقي به إليك، ونورًا يضيء قلوبنا، وسببًا يقربنا منك، ولا تجعل فيها شقاءً ولا نقصًا، بل اجعلها زيادةً في اليقين، وشهادةً في سبيل مرضاتك تقربنا إليك!










