كُنتَ طفلاً حالماً، أقصى مُرادك الطيران مع الطيور. حاولت مِراراً الوصول للسماء، ما صدقت كل من حولك حين قالوا: (لا يمكن لآدمي التحليق).
كنتَ تسمو بروحك مع الطيور الغرِدة؛ لأنّ صحيفتك بيضاء، ولأنك إن أخطأت لا تجد معرّة في الاعتذار، ثم ترجع بصرك للسماء قائلاً: (رب اغفر لي لأني أريد أن أدخل الجنة مع صديقي فلان وأبي وأمي) ثم تعدّ على أناملك الصغيرة أحبابك.
الآن بعد أن كَبرت، ملأت صحيفتك بالخطايا. ما أسرعك! ثقلت روحك؛ لكني أراك ما زلت متشبثاً بعينك وقلبك للسماء. أهي نظرة للطُهر المصفّى؟ أم هي شوقٌ للنقاء؟ أم أملٌ للعودة إليها؟
الجسد بيت الروح في هذه الدنيا، وكما قيل: (الأجساد قفص طيور أو اسطبل دواب)، وقد علق عليها د.سليمان العبودي قائلاً: (والأرواح طيور خضر تختنق بروائح الإسطبلات).
فلا تقترف الذنوب بيديك، ولا تنظر بجوهرتيك الساطعتين بنور فؤادك للحرام؛ كي لا يخبو وهجُهما. لا تثقل روحك بالصغائر؛ كي لا تنزلق بالكبائر.
في طفولتك أردت الوصول للسماء، طلباً لمرح الطيور واللهو واللذة. في صباك تكثفت غربتك؛ فحدَقتك مأخوذة دوماً للسماء وقلبك يشدّ رحاله دائماً إليها.
بكَ شوق دائم النزوع للسماء كلما تجدّد فيك معنى الحديث النبوي الشريف الذي يضبط بوصلتك: “مَا لي وَللدُّنْيَا؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا”، وحين يموت فيك معناه؛ يغترب قلبك عنك، وتفخُر الدنيا وتنتفش؛ لأنها شدّتك إليها. والموفق من استثمر في حياته لحظات يحقق فيها معنى الطيران، فإن جددوا للطيران اسماً؛ لن يكون إلا في تلك اللحظات التي تخفق فيها أجنحة روحه بقوة؛ فيقابل مدّ جناح الطير مد يده لمن يحتاج، ويقابل عطف جناح العصفور عطف روحه على مسكين رآه.
يقابل وثبَة الطائر وثبة في أخلاقه حين تضمحل قيَم من حوله، ينقُر بكلماته المُفعمة بشذى روحه على شباك من أثقله الأذى، ويوقف تيار الألم الكالح بحروفه حين يكون سبباً في بقاء الخير في الناس.
ما تلك اللحظات إلا “مفتاح” يفتح أقفاص طيور الروح لتطير عالياً عالياً وتترك الدنيا لأهل الدُنيا.










