مدارج القلوب الثلاثة؛ قال -صلّى الله عليه وسلّم-: “ألا وإن في الجسدِ مُضغةً، إذا صَلَحت صَلَح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلبُ” [متفق عليه]
فالقلب للأعضاء كالملك المتصرف في جنوده، فيتبعونه في هديهِ وزيغهِ، فليس في الإنسان شيءٌ أخطر من القلب؛ فبهِ يحيا وبه يموت.
لذلك كان العابدون والناسكون يتحنثون لله بتصحيح القلب وتسديده والتفتيش في خباياه وأسراره وأمراضه.
فحالة القلب تنعكس في سلوك الإنسان فلا يستقيم للأعضاء عمل إلا إذا كان صادرًا عن نيّتهِ وقصده.
وحتى وإن جهل الإنسان بأهمية قلبه فعدو الله إبليس أدرك جيدًا أن القلب عليه مدار الفلاح، فشَنّ جميع هجماته تجاه القلب وأقبل عليه بالشهوات والشبهات وزيّن له الدنيا وكل ما يدخل في قلبه الوهن، ونصب له من المكائد والمصايد ما يوقعه، فبذكر الله نجاة القلوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌۖ﴾
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:
“قلب المؤمن يلين بذكر الله”
وتتبوأ النية والإيمان القلب مُسكّنًا لهما، قال ﷺ: “إن الله لا ينظر إلى صورِكم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”.
ولما وصف القلب بأنه الملك والمتبع وأن عليه مدارج الفلاح وأن به الحياة أو الموت انقسمت القلوب إلى ثلاث:
- ١- قلب سليم.
- ٢- قلب مريض.
- ٣-قلب ميت.
القلب السليم:
قال عز وجل: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ فشرط النجاة يوم القيامة الإتيان بقلب سليم.
فالقلب السليم ضد المريض فقد سلم من الشهوات والشبهات، وعبَدَ الله إرادة ومحبة وإنابة، يُذكّر أن القلب السليم مرتبط بالأخلاق: إن القلب الصالح لا يصلح إلا إذا اتصف بآداب القرآن مثل: التواضع، والخشوع، والخوف، والرجاء.
فالسلامة صارت علامة في القلب السليم وصفة ثابتة له.
عرَّف ابن القيم القلب السليم فقال:
سليم من الشرك بأنواعه.
سليم من البدعة.
سليم من الأهواء التي تعارض الشرع.
سليم من أمراض الحسد والكبر والعجب.
سليم من حب الدنيا إذا أفسدت القلب.
ويقول -رحِمه اللَّه-: “القلب السليم هو الذي يسلّم لربّه ولشَرعهِ تسليمًا خالصًا”.
فالقلب السليم يطمئن بذكر الله، ويحب في الله ويبغض في الله، ويعطي لله ويمنع لله، يتألم بالمعصية وينشرح صدره بالطاعة، يرى الدنيا كجسرٍ يعبر به للجنة لا دار قرار.
القلب الميت:
وصف القرآن هذا النوع من القلوب بأنه ميت وقاسي ومغلق، ومختوم عليه،
فهذا القلب يتعبد لغير الله حبًّا وخوفًا ورجاءً، يحب لهواه ويبغض لهواه ولا يبالي بسخط الله همه الأكبر الفوز بشهوته وتتبع زينة الدنيا، فمخالطة صاحب هذا القلب مفسدة وهلاك.
وصاحب هذا القلب لا تُلينه الآيات ولا تؤثر فيه موعظة فإذا نادى منادي لله والدار الآخرة لا يسمع قلبه غير دويّ فلا يستجيب، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ فلا يدخل فيها بصيص نور ولا هداية.
قال النبي ﷺ:
“والقلب الميت: قلبٌ لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه”
ووصف النبي القلوب فقالﷺ: “القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، وقلب أغلف، وقلب منكوس، وقلب مصفّح”
والقلب الأغلف هو القلب الميت لا تدخله الهداية.
القلب المريض:
قال رسول الله ﷺ:
“القلبُ أربعةٌ: قلبٌ أجردُ، فيه سراجٌ يزهرُ، فذلك قلبُ المؤمنِ، وقلبٌ أغلفُ، فذلك قلبُ الكافرِ، وقلبٌ منكوسٌ، فذلك قلبُ المنافقِ، عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمي، وقلبٌ مُصفَّحٌ، لا إيمانَ ولا كفرَ، مثلُ الإيمانِ فيه كمثلِ البقلةِ يمدّها الماءُ الطيّب، ومثلُ النفاقِ فيه كمثل القرحةِ يمدّها القيحُ والصديدُ، فأيُّ المِدَّتين غلبتْ عليه غلبت”
فالقلب المريض قلبٌ مصفح لم يتمكن فيه الإيمان فتارة يكون للكفر أقرب منه للإيمان، وتارة أقرب منه للكفر، والغالب له الحكم.
فهذا قلب فيه حياة ولكن به علة، ففيه محبة الله ومحبة الشهوات.
قال ابن القيم -رحِمه اللَّه-: “إذا مرض القلب، صلّبت الجوارح على المعاصي، وصار كل فعل جسدي ولفظي تابعًا لهوى القلب”.
- من علامات مرض القلب:
قال بعض السلف: “هو الذي كلما هوى شيئا ركبه، فصارت حياته كالبهائم لا يعرف ربه ولا يعبده بأمره فقال تعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّار مَثوَى لَهُم﴾
فالجزاء من جنس العمل، عاش حياة لا يحبها الله ولا يرضاها فكذلك في الآخرة يحيا حياة لا راحة فيها ولا يموت فيفقد الإحساس، قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَهُوَ لَيْسَ بِمَيْتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾
ومن العلامات أن تكون الشهوات هي المقدمة على معرفة الله والشوق إلى لقائهِ ومحبته.
وألا تؤلمه المعصية ولا يتوجع لها
ينتقل من السيئة للسيئة حتى أصاب قلبه ران، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
أنهك قلبه بالغفلة فأظلم، ومن علاماته لا يتوجع بجهله وبورود الشبهات عليه فالقلب يطوق بغشاوة حين يبتعد عن الحق.
قال النبيﷺ: ” كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” ومن علامات مرض القلب أن يتخذ صاحبه الدنيا دار قرار ويستوطن بها.
- من علامات صحة القلب:
نور يتسرب إلى أعماق ذلك القلب، قلبٌ يتقلب بين خوف ورجاء.
أول علامة له كثرة ذكر الله فالقلب لا يحييه إلا ذكر الله فالذكر نبض الإيمان في القلب، امتلأ القلب بالمحبة فانطلق اللسان بالذكر. قال بعضهم: “المحب لا يجد للدنيا لذة ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين”
ومن علاماته أنه قلب منيب أي كثير الرجوع إلى الله، فهو قلب متعلق بمحبوبه فلا حياة له إلا بقربه وأنسه، كما قيل:” إن في القلب فاقة لا يسدها إلا الله تعالى”
ومن علاماته التألم للمعصية وسرعة التذكر والرجوع “إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون”
- أسباب سموم القلب وأمراضه:
قال الإمام ابن مبارك:
«رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها»
فاعلم رحمك الله أن الذنوب سموم للقلب ومفسدة وهلاك، فالمعاصي توهن القلب حتى تزيل حياته وتوهن البدن فكلما قوي القلب قوي البدن. قال أبو الدرداء: “ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين” فتحصل وحشة بينه وبين أهل الخير.
ومن أشر السموم عندنا فضول الكلام، وفضول النظر، وفضول المخالطة، وفضول الطعام، وفضول النوم.
القلوب هي مركز الحياة والنجاة، بها تُعرف محبة الله ويُدرك الحق، وبها تفسد الأعمال إذا غلفها الغفلة والذنوب. فاحرص على قلبك، طهّره بالذكر، وعلّمه محبة الحق، فإنه لا حياة للإنسان إلا بقلب حي، ولا فلاح إلا بقلب سليم.
اجعل قلبك قلب امتلأ بالله فاستراح، لا بد أن يكون لقلبك كل يوم حظ من التوجيه والتفتيش والإصلاح وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ يُصلح القلب بالمجاهدة وتنصر الأمة بالقلوب السليمة، ومن جاهد في إصلاح قلبه ملأ الله قلبه سكينة لا توصف.
اللهم إنا نسألك قلوباً سليمة منيبة.










