في عالم اليوم، يقضي الإنسان اليافع (فوق سن الحادية عشرة) وسطيًا أكثر من 7 ساعات كل يومٍ في متابعة الشاشات على أن ذلك ترفيه !..
في نفس العالم، ارتفع عدد اليافعين الذين يعانون أعراضًا متوافقة مع الاكتئاب بنسبة 52% عما كانت عليه قبل 10 سنوات في الولايات المتحدة فقط، بينما يشهد تشخيص القلق النفسي ارتفاعًا حادًا في اليافعين علىٰ مستوىٰ العالم، كما يعاني 1 من كل 5 يافعين أمريكيين من البدانة.
في هذا العالم، يستمرّ الاختصاصيون النفسيون بالتحذير من خطر وسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف المحمولة، وقضاء الأوقات في التواصل الرقمي بدل الواقعي..
لكن؛ وفي نفس العالم، تستمر شركات ألعاب الفيديو بإنتاج الجديد من العوالم الافتراضية الوهمية كل بضع شهور، وتنتج الشركات مزيدًا من منتجات تكريس الغفلة، والراحة المبدعة؛ التي تعين علىٰ الاسترخاء في البيت، والطموح إلىٰ الوقت الكسول الذي تهواه النفس أصالةً، كما تنتج ماكينة هوليوود إبداعاتها من الخيال؛ الذي يشعر الإنسان بأنه يسافر حول العالم، ويحقق الانتصارات، ويؤسس أسرته، ويحصل علىٰ أعظم أحلامه؛ وهو جالسٌ علىْ أريكته، يتناول الفوشار في غرفةٍ لم يعد يعنيه الخروج منها لمواجهة العالم الحقيقي المؤلم..
اليوم، تكاد الروايات الخيالية تبتلع أيام الشباب والشابات، وهي تطير بهم إلىٰ عالم السحر، والجمال، والملوك، والأمراء، والقصور، والبحار؛ ليصير حلم فتاةٍ أن يحبّها مصاص دماء، أو تقيم حفل قرانها وسط الغابة بين الحيوانات.
اليوم، تغرق نسبةٍ كبيرةٍ من الشباب في انفصال عن الواقع، والعيش في غرفهم المظلمة، مقابل شاشاتٍ بدقةٍ عجيبةٍ، مع سماعاتٍ مانعةٍ للضجيج، يحدثون خلالها أصدقاء عبر القارات، أو الشوارع؛ لا يعرفون عنهم إلا أسماءهم الوهمية؛ ليقضوا معهم ساعاتٍ طويلةً تستنفذ طاقاتهم وحماسهم كلّ يوم.
اليوم، لم يعد غريبًا أن تتلقىٰ طلب صداقة على فيسبوك من طفلٍ في السابعة، كما صار طبيعيًا أن نرى اليوتيوبر الأطفال يفتحون قنواتٍ؛ للحديث عن إنجازاتهم في ألعاب الفيديو، ومهاراتهم الاستثنائية فيها، ثم تكون الطامة الكبرىٰ أن “ينجح” هؤلاء في جلب المشاهدات، ومن ثم تحصيل المال عبرها!
هذه لمحةٌ بسيطة عن نتائج منظومة الغفلة، وصورها التي تجذب شبابنا اليوم؛ كواحةٍ مزينةٍ من الرمال المتحركة، لا يملك الناظر نفسه أمام بريقها وسحرها، وما إن يقع فيها حتىٰ تأكله شيئًا فشيئًا، ويجد نفسه يضيع فيها كلّ يومٍ، إلىٰ أن يستسلم لقبضتها، ويصير يمشي بين الناس لا حياة فيه، روحه في الوهم، وجسده في الواقع الذي لا يطيق..
تسنيم راجح.
المصادر:
– إحصائيات القلق لدىٰ المراهقين في تزايد، كيف يمكنك مساعدة ابنك المراهق؟
– هل يؤدي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي إلىٰ الاكتئاب؟
– مشاكل الصحة العقلية زادت بشكل كبير بين الشباب خلال العقد الأخير.
– يقضي المراهقون في المتوسط أكثر من 7 ساعات يوميًا أمام الشاشات، دون احتساب وقت الدراسة.)










