على خطى النور -رسول الله ﷺ-

|

على خطى النور -رسول اللهﷺ- هذه سلسلة نقترب فيها من سيرة النبي ﷺ لا بوصفها أحداثًا تُروى، بل نورًا يُهتدى به في واقعٍ تتكاثر فيه العتمة. هو النور الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، فمن سار على خطاه اهتدى، ومن اقتفى أثره وجد الطريق إلى الله أوضح وأقرب.

مقامه ﷺ عند ربّه (1)

قال تعالى﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
لم يكن رسول الله ﷺ نبيّا في الأرض فقط، بل كان مرفوعَ الذكرِ في السماء، قرن اللهُ اسمَه باسمِه، وجعل طاعتَه من طاعتِه، ومحبّتِه من الإيمان.
فـمن رفعه الله، لا يضعه بشر، ولا يغنيه قولهم)
قال القاضي عياض: «تعظيم النبي ﷺ فرض، وتنقّصه كفر بإجماع» (الشفا)
لامارتين: «إن عظمة محمد لا تُقاس بعظمة ملوك التاريخ».

خُلُقه ﷺ (2)

قال تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
قال ﷺ:
«إنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»
كان خُلُق رسول الله ﷺ برهان صدقه، فدخل الناس في الإسلام قبل أن يسمعوا الخطب والمواعظ، لعظيم تأثير الأخلاق في أنفسهم، فمحال أن يكذب من كان ذو خلق كالحبيب ﷺ.

قال ابن تيمية رحمه الله : «خُلُقه ﷺ من أعظم دلائل نبوته».

رحمته ﷺ (3)

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
قال ﷺ:«الراحمون يرحمهم الرحمن»
لم تكن رحمة رسول الله ضعفًا، بل قوةً أخلاقيةً تضبط الناس.
فمعلوم أنّ القلوب لا يستميلها إلّا صاحب الخلق، طيب المعشر.
فتنال القلوب شرفًا وعزًّا وسؤددا؛إن أحبّت واتّبعت النبي المكرَم ﷺ.

قال ابن القيم: «رحمته عمّت الموافق والمخالف».
وقال غوستاف لوبون: «لم يعرف التاريخ فاتحًا أرحم من محمد».

قوته ﷺ (4)

قال ﷺ في أشدّ المواقف:
«اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة»
كان قويًّا لا بالبطش، بل باليقين.
متعلّقا بالآخرة، زاهدا في الدنيا.

قال ابن القيم رحمه الله:«كان أشجع الناس قلبًا».

ثباته ﷺ (5)

قال تعالى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾.
وقف وحده، فوقف التاريخ خلفه.
مشى في سبيل الله لأجل الله، فامتلأت الدنيا ضياءً ونورا.
قال توماس كارليل: «ثباتُ محمّدٍ دليلُ صدقِه».

عدله ﷺ (6)

قال ﷺ:
«لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»
لم يُحابِ في الله قريبًا، ولم يظلم بعيدًا.

قال الإمام الشافعي رحمه الله : «ما عُرف العدل إلا به».

تواضعه ﷺ (7)

قال رسول الله ﷺ:
«إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد».

كان نبيًا، واصطفاه الله بالوحي، ورفع ذكره في العالمين، ومع ذلك عاش عبدًا لله، لا ترفعه المظاهر ولا تصنعه الألقاب. كلما علا مقامه عند ربّه ازداد تواضعًا بين الناس، حتى صار تواضعه ﷺ آيةً ظاهرة من آيات كماله، ودليلًا عمليًا على أن العظمة الحقة لا تكون بالتعالي، وإنما بالعبودية الخالصة لله.

وأمره الله أن يخفض جناحه للمؤمنين، فقال سبحانه:﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.

فكان رسول الله ﷺ أقرب الناس إلى الضعفاء،
وألينهم مع المساكين، يجلس حيث ينتهي به المجلس، ويكره أن يقوم له الناس، ويقول: «لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».

وتروي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- جانبًا من حياته اليومية فتقول: «كان يكون في مِهنة أهله».

فلم يكن تواضع رسول الله ﷺ خُلُقًا عارضًا، بل عبادةً دائمة، وسلوكًا مقصودًا، يعلّم به الأمة أن الرفعة لا تُنال بالتصنع ولا بالسلطان، وإنما بالقرب من الله.

ولهذا قال الإمام النووي -رحمه الله-:” إن تواضعه ﷺ مع علو منزلته آية من آيات كماله، ودليل صدقه، وحجة على أمته”.

وقال ابن القيم -رحمه الله- في وصفه:” كان أشرف الخلق نفسًا، وأعلاهم قدرًا، ومع ذلك أشدهم تواضعًا، حتى لا يُعرف في المجلس من بين أصحابه”.

وبيّن القاضي عياض -رحمه الله-:” أن تواضعه ﷺ من دلائل نبوته، إذ جمع بين كمال المقام وتمام الخضوع لله.
وإذا تأمّلنا هذا الخُلُق في سيرته ﷺ، أدركنا أن تواضعه لم يُنقص من هيبته، بل زادها، لأن الهيبة الحقيقية تولد من الصدق، لا من التعالي، ومن عرف تواضعه عرف كيف يدافع عنه، وكيف يقتدي به، وكيف يفهم أن العبودية هي أصل العظمة في الإسلام”.

فمن سار على خُطى النور ﷺ، علم أن الطريق إلى الرفعة يبدأ من السجود، وأن أعظم الناس قدرًا هو أكثرهم تواضعًا لله.
اللهم اجعلنا من زمرة النبي والأنبياء والصالحين، واجعلنا من عبادك القناتين المتواضعين، واحشرنا مع نبيك وحبيبك وآله وصحبه أجمعين.

صبرُه ﷺ (8)

قابلَ الأذى بالعفو، والجهلَ بالحِلم
كان صبر رسول الله ﷺ خُلُقًا راسخًا، لا موقفًا عابرًا، فقد لقي من قومه أذًى لو نزل على الجبال لصدّعها، فاختار العفو، وجعل الحِلمَ جوابًا للجهل، والرحمةَ ردًّا على القسوة،ولم تكن أن ذاك رحمته ضعفًا، بل قوة فقد كان ﷺ حصيفا واعيًا.
ومن أعظم ما عبّر عن هذا المقام قوله ﷺ وهو يُؤذى:«اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» فكان النبي الوحيد الذي لم يدعُ على قومه، فباتت أمته جبالًا لم تندثر.

فهذا الدعاء لم يكن تبريرًا للأذى، بل كشفًا عن سموِّ أخلاقه العالي، حيث قابل الاعتداء بالشفقة، والظلم بالرجاء و الهداية.
وقد قرر القرآن الكريم هذا المنهج، فقال الله تعالى:﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾

وقال سبحانه مخاطبًا رسول الله ﷺ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
وقد تجلّى هذا الصبر في مواقف كثيرة؛ يوم أُوذِي في الطائف حتى أُدميت قدماه، فلم يدعُ عليهم، بل قال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده».
وفي أُحد، وقد شُجَّ وجهه وكُسرت رَباعيته، لم يزد على أن قال: «كيف يفلح قوم شجّوا نبيهم؟» ثم عفا ودعا.
وقال الله تعالى مُثنيًا على خُلُقه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾

وقال جلّ وعلا جامعًا مقامه كله:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
وقال العلماء في تفسير هذا الخُلُق العظيم: (إنه يشمل الحِلم عند الغضب، والعفو مع القدرة، والصبر على الأذى).

قال الإمام النووي -رحمه الله-: «كان ﷺ أحلم الناس، وأصبرهم على الأذى، وأعظمهم عفوًا مع القدرة».
وقال ابن القيم رحمه الله: «كان صبره ﷺ صبر اختيارٍ لا صبر اضطرار، يعفو وهو قادر، ويحلم وهو قادر على الانتقام».

إن صبر رسول الله ﷺ لم يكن ضعفًا، بل كان قوة أخلاقية تُغيّر النفوس، وتفتح القلوب، وتُقيم الحجة ولهذا كان صبره بابًا من أبواب نصره، ومن أعظم دلائل نبوته، ومن سار على خُطاه في الحِلم والعفو، فقد سار على خُلق النور.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة