الدنيا… مقام العابرين

|

الدنيا ممرٌ يعبر به الإنسان للخلود، جسرٌ يعبر به للجنة أو النار. فكل إنسان له أجلٌ محتوم في وقت معلوم، يعيش في الدنيا يبني ويدخر ويهرول وراء شهواته وملذاته، ولكن الحسرة أنه عندما قارب تمام البناء مات!

كان في غفلة عن حقيقة الموت ولم يفقه أنه عما قريب ستنزاح عنه الحجب، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
نسي أن حياته ما هي إلا بناء لآخرته وتشكيل لطريقة موته.

فلا بد للمؤمن أن يعيش في الدنيا كالمسافر لا الساكن، وأن يفقه أن الموت حقيقة وجودية لها رهبة؛ فيسير في توازن بين خوف ورجاء مع شوق للقاء الله، يعيش وهو يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه. يزرع الظل موقنا أنه سينتقل من الظل إلى النور.

والغافل يدرك حقيقة الموت ولكن يتناساها، وإذا خطرت في ذهنه صرفها وكأنه لن يلقاها، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ للموتِ فَزَعًا”. فزعًا للغافل الغارق في الدنيا المكبل بحبالها، فالموت يهزّ القلب، ويوقظه، ويكسر الغفلة، وهو بطبيعته أمرٌ مُفزع لأنه انتقال من دار إلى دار، وتركٌ لكل ما ألفه الإنسان.

وقال ﷺ: «أكثروا ذكرَ هادمِ اللَّذاتِ» قالوا: وما هادمُ اللَّذاتِ يا رسول الله؟ قال ﷺ: «الموت». فالموت يقطع لذة الدنيا وينهي التعلق بها، وسبب لتزكية النفس وردعها.

لكن المؤمن يرى الموت بعين الخائف الوجل، والمُحب المتشوق، وكأنه طفل اشتاق لأهله وتفطر كبده من الشوق، فهو كذلك اشتاق لخالقه ولداره وتفطر كبده شوقًا للقاء الله عز وجل.

يرى المؤمن الموت باب الدخول إلى وعد الله الحق ولا خوف على من آمن ثم استقام وعاش حياته في الظل وأضاء ظله أركان الأرض. يفرح بالسجدة الصادقة والدمعة الذاكرة إذا فاضت بذكر الله.

دعنا نطلق ابصارنا لرحلة تأمل، قال ﷺ:

“إِنَّ العبدَ المؤْمن إذا كان في انْقِطَاعٍ من الدُّنْيَا، وإِقْبالٍ من الْآخِرَةِ، نزل إليه من السَّمَاءِ ملائكةٌ بِيضُ الوجُوهِ، كأَنَّ وجوهَهُمُ الشمسُ، معهُمْ كفنٌ من أكْفَانِ الجنَّةِ، وحَنُوطٌ من حَنُوطِ الجَنَّةِ، حتَّى يَجْلِسُوا منه مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوْتِ حتَّى يَجلِسَ عندَ رأسِه فيَقولُ: أيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إلى مغْفِرةٍ من اللَّهِ ورِضْوَانٍ، فتخْرُجُ تَسِيلُ كما تسِيلُ القَطْرَةُ من فِي السِّقَاءِ، فيَأْخذُها، فإذا أخَذَها لم يَدَعُوها في يَدِه طَرْفَةَ عَيْنٍ، حتَّى يَأْخُذُوها فيَجْعَلُوهَا في ذلكَ الكَفَنِ وفي ذلكَ الحَنُوطِ، فيَخْرُجُ منها كأَطيَبِ نَفْخَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وجْهِ الأرضِ، فيَصْعَدُونَ بِها، فلا يمُرُّونَ بها على مَلَكٍ من الملائِكَةِ إلَّا قالُوا: ما هذا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فيقولُونَ: فُلَانُ بنُ فُلَانٍ، بأَحْسَنِ أسمائِه الَّتي كانُوا يُسَمُّونَه بها في الدُّنْيَا، حتَّى ينْتَهُوا بها إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحون له فَيُفْتَحُ له، فيُشَيِّعُهُ من كلِّ سماءٍ مُقَرَّبُوها إلى السَّماءِ الَّتي تلِيها، حتَّى يُنتَهَى إلى السَّماءِ السَّابِعةِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: اكْتُبُوا كِتابَ عبدِي في علِّيِّينَ، وأَعِيدُوا عَبدِي إلى الأرضِ، فإِنِّي مِنها خَلَقتُهم، وفِيها أُعِيدُهُم، ومِنها أُخْرِجُهم تارةً أُخْرَى. فتُعادُ رُوحُه، فيَأتِيهِ مَلَكانِ، فيُجْلِسانِه، فيَقولانِ له: مَن ربُّكَ؟ فيقولُ: رَبِّيَ اللهُ، فيَقولانِ له: ما دِينُكَ؟ فيَقولُ: دِينِيَ الإِسلامُ، فيَقولانِ له: ما هذا الرَّجلُ الَّذي بُعِثَ فيكُم؟ فيَقولُ: هو رسولُ اللهِ، فيَقولانِ له: ومَا عِلْمُكَ؟ فيَقولُ: قَرأتُ كِتابَ اللهِ فآمَنتُ به وصَدَّقْتُ، فيُنادِي مُنادٍ من السَّماءِ: أنْ صَدَقَ عَبدِي، فَأفْرِشُوه من الجنَّةِ، وألْبِسُوهُ من الجنَّةِ، وافْتَحُوا له بابًا إلى الجنَّةِ، فيَأتِيهِ من رَوْحِها وطِيبِها، ويُفسحُ له في قَبرِهِ مَدَّ بَصرِهِ، ويَأتِيهِ رَجلٌ حَسَنُ الوَجهِ، حَسنُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فيَقولُ: أبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هذا يَومُكَ الذي كُنتَ تُوعَدُ، فيقولُ لهُ: مَن أنتَ؟ فوجْهُكَ الوَجْهُ يَجِيءُ بِالخيرِ، فيَقولُ: أنَا عَملُك الصَّالِحُ، فيَقولُ: رَبِّ أقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أقِمِ السَّاعَةَ.” الحديث.

أي جمال هذا؟ أي عقل يستطيع تخيل هذه الصورة الروحانية الرهيبة؟ نهاية حقيقية للانتقال والعبور، الانتقال من الهاوية إلى القمة والنعيم. انظر لروح المؤمن كيف تسيل، عاش حياته في شوق للقاء الله فخرجت روحه وكأنها في نهاية المضمار، بذلت قصارى جهدها وخرجت سريعًا، فالموت نهاية الاختبار وبداية الخلود، إما خلودٌ في نعيمٍ أو خلودٌ في عذابٍ والعياذ بالله.
وليس تذكُّر الموت للمؤمن باعثًا على الأُنس المجرد، ولا على الفزع الخالص، بل مقامٌ جامعٌ بين الرجاء والوجل؛ رجاء رحمةٍ نطمع فيها، ووجل من عدلٍ نخشاه. فالموت حقٌّ يهدم التعلّق، ويقيم القلب بين يدي الله منكسِرًا، يعمل وهو لا يغتر، ويرجو وهو لا يأمن.

وقد وصفه النبي ﷺ بـ«هادم اللذات» ليوقظ القلوب من سُكر الغفلة، لا ليغلق باب الأمل؛ فالمؤمن يذكر الموت فيُحسنُ العمل، ويخاف سوء الخاتمة، ويسأل الله العفو قبل الحساب.

فالخوف هنا حياةٌ للقلب، والوجل زادُ السائرين، وبهما يُزكّى السعي وتستقيم الخُطى حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا. اللهم ارزقنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك.

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة