الصدق… ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ على اللَّهِ ﴾
[ النساء – ١٠٠ ]
ليس المهم أن تصل، ولا أن تبلغ المُنى، ولا أن تُحصِّل النتيجة؛
بل أن تصدق النيّة، وتُخلِص العمل، وتُقبِل.
﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ على اللَّهِ ﴾…
يا لرقّةِ القول، ويا لحنانِه، ويا لعظمةِ مقامه!
وممّا وقفتُ عليه في تدبّري، وفطنتُ لمعناه:
أنّ قولَه: ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ على اللَّهِ ﴾ يفتح للقلب مواضعَ التخيّل، ويُشرع له أبوابَها.
ومثالُ ذلك:
كأن يقول مديرٌ مثلًا:
من يفعل كذا أعطيتُه ألفين، ومن يفعل كذا أعطيتُه أربعة،
أمّا من يفعل كذا… فأجرُه عليَّ.
فهنا يشحذ قولُه العقولَ لتخيّل الأجر وقدره،
ويبلغ بعظمة الفعل في نفوس الجميع.
فكيف إذا كان معروفًا عن المدير أنه أهلُ كرم؟
ولله المثل الأعلى، وهو أكرم الأكرمين سبحانه!
فاصدق وأقبل على أي حالٍ كنت؛ جريًا، هرولةً، مشيًا، زحفًا… المهم أن تصدق الهجرة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واسْمُ بروحك ودع قلبك يحلق بجناحي الصبر واليقين إلى مولاه وخلِّه من كل ما ومن سواه…
الصدق… ويذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في صحابي كان شيخًا كبيرًا في مكة، ولما نزل الأمر بالهجرة إلى المدينة المنورة، قال لأهله:
لا أبقى في أرض يُعصى الله فيها، احملوني فإني أريد الهجرة إلى رسول الله ﷺ.
فحملوه على سرير وخرج مهاجرًا، لكنه مات في الطريق قبل أن يصل إلى المدينة.
فلما مات قال:
اللهم هذه بيعتي لك.
لم يصل المدينة بجسده لكنه وصلها بإخلاص هجرته وصدق نيته وقصده نصرة دين الحق. فيُنزل الله سبحانه هذه الآية ويقول: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ على اللَّهِ﴾
لم يقل أجر عظيم ولا أجر كريم ولا أجر كبير بل قال أجره عليّ تكرمًا وتفضلًا منه عز وجل، وهو الكريم الواسع ذو العظيم…
ويزيد على ذلك سبحانه وتعالى ويختم الآية باسميْه الغفور الرحيم، فهو من الأزل إلى الأبد كثير الستر بعباده دائم الرحمة بهم.
وهنا ندرك أهميةُ النيّة؛ فالهجرةُ لتَصدُقَ لا بد أن تكون لله، فيخرج المرءُ مهاجرًا لله، وقاصدًا ما فيه مرضاةُ الله، فهذا شرطٌ لا بدّ منه.
فالله الله في الصدق.
إنّ القرآن آسرٌ… آسرٌ في كلِّ حرف، إعجازٌ وصدقٌ حقًّا.










