موقف المؤمن الموحد من تاريخ اليابان – الجزء الثاني

|

تاريخ اليابان

تحدثنا في الجزء السابق عن المؤمن الموحد من تاريخ اليابان واليوم سنكمل بعض الظواهر اليابانية المخالفة للإسلام وكيف يكون الموقف تجاهها.

ومن الآلهة الشنتوية التي تُبرز التناقض في التصور الوثني، وتكشف زيف الألوهية المدعاة، سوسانوؤ وتسوكيومي. وهما ابنان لإيزاناغي، وُلدا بعد عودته من العالم السفلي. سوسانوؤ يُزعم أنه إله البحر والعواصف، وتُصوّره الأساطير ككائن متمرّد مفسد، يقتل ويخرّب ويُنفى من السماء، ثم يُعاد تقديمه كبطل في روايات لاحقة.

أما تسوكيومي فهو إله القمر، وتُصوّره الأساطير ككيان غامض ومنعزل، انفصل عن أخته إلهة الشمس (أماتيراسو) بعد أن قتل إله الطعام، فبات يحكم الليل وحده.

وهما نموذج واضح لعقيدة مضطربة تُنسب فيها صفات الربوبية إلى كيانات تتقلب بين الفوضى والعنف والعجز، وهو ما يدل على بطلانها من أصلها.

إن الإله الحق منزَّه عن العبث والاضطراب والنقص، فكيف يُعبد إله يُفسد ويُنفى ويُعاقب؟ وكيف يُعبد إله لا يملك السيطرة على نفسه ولا على علاقته بأخيه؟

إن هذا التناقض الفاضح لا يجتمع مع معنى الألوهية، ونسبة السيطرة على العواصف والبحار إلى سوسانوؤ هي إشراك بالله سبحانه، فالله وحده القادر على كل شيء، وهو الذي يُرسل الرياح ويُسخّر البحر، قاله سبحانه وتعالى: { الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون }

وقال جل جلاله: { أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون }

أما نسبة التحكم في القمر والليل إلى تسوكيومي فهي شرك في توحيد الربوبية، فالمؤمن الموحد يعلم أن الشمس والقمر مسخّرات بأمر الله وحده، وليستا كيانين واعيين يُطيعان إلهاً موهوماً، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾.

تُعدّ سلسلة الأنمي الشهيرة ناروتو أنموذجاً صارخاً لاستحضار هذه الأساطير وتغليفها في إطار القوة الخارقة.

فتم تحويل أسماء آلهة الأساطير إلى تقنيات قتالية عُليا: 

  • (جوتسو) تُمنح لمن يمتلكون عيون الشارينغان المانغيكيو، مما يُضفي على هذه الأسماء هالة من القوة المطلقة التي تُوازي الألوهية. وهذا هو الخطر العقدي: أن تُقدَّم أسماء الآلهة الوثنية بشكل حماسي ترفيهي، يخفي أصلها الإشراكي ومنازعتها لله في ربوبيته وألوهيته.
  • فتقنية سوسانوؤ هي تقنية دفاعية وهجومية مطلقة، حيث يستدعي المستخدم كياناً روحياً عملاقاً من طاقة التشاكرا يحيط به ويحميه، ويُصوّر كـ “إله الحرب” أو “الدرع المطلق” (كما تظهر الصور المرفقة لتجسيد سوسانوؤ العملاق). هنا يصوّر صورة إله حارس يُستنصر به عند الشدة، وهو عين ما جاءت الرسل لإبطاله: تحويل الاعتماد من الخالق إلى المخلوق.

  • أما تقنية تسوكيومي فهي تقنية وهم (جينجوتسو) تُعتبر من أقوى التقنيات، حيث تُسقط الضحية في عالم وهمي يتحكم فيه المستخدم بالزمان والمكان والجسد، ويُستخدم “التسوكيومي اللانهائي” لحبس العالم كله في وهم أبدي تحت ضوء القمر الأحمر (كما تظهر الصور المرفقة للقمر الأحمر والضحايا المحبوسين). إن هذه التقنية هي تمثيل بصري لمنازعة الله في صفة الربوبية،والقدرة على الخلق وأقدارهم وزمانهم. فالله وحده هو الذي يملك الخلق ونواصيهم، وهو الذي يُجري الأقدار.
تاريخ اليابان

إن تحويل اسم إله القمر الوثني إلى تقنية تُسيطر على مصير البشر هو تطبيع لفكرة أن هناك من يملك السيطرة على مصائرهم غير الله.

خلاصة الأمر:

إن الوثنية اليابانية القديمة، وعقائد الشنتو، وعبادة الظواهر الطبيعية، كلها صبغت التاريخ الياباني قديماً وحديثاً بصبغة الضلال. ومن يترك هداية الوحي ويطغى عليه الهوى والنفس، فإن مصيره واضح: { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون }

اسمعوا واعلموا أن الانحراف العقدي ليس شيئا يتهاون به، بل داء يترك أثره على القلوب والسلوك والثقافة، وحتى طريقة الحياة اليومية.

ألا ترون أن اليابان المعاصرة لم تسلم من آثار هذه العقائد القديمة؟ 

يعيشون في فراغ روحي، انشغال بالدنيا وضغط نفسي هائل مثل: ثقافة “الكاروشي” (Karoshi)، عزلة، وفردانية مدمرة، وتفكك الأسرة مثل:  ظاهرة “الهيكيكوموري” (Hikikomori) ، تسلط الرغبات، ارتفاع معدلات الانتحار، وعنف متفشٍ، وانحلال أخلاقي. وكل هذه الآفات تظهر في الأنمي الحديث، الذي هو مرآة للخيال الياباني، لكنه في الوقت نفسه وسيلة لنقل المعتقدات والشذوذ والأساطير إلى أجيال جديدة.

إنكم ترون الأعمال الشهيرة كيف يُسوَّق فيها العري والشذوذ كمتعة بصرية، ففي Naruto وDragon Ball وBleach وDemon Slayer تُعرض القوة الخارقة والقدرات شبه الإلهية على أنها مصدر احترام وبطولة، في إسقاط صريح لما هو حق لله وحده.

وفي One Piece، تتجسد نفس الرمزية الوثنية في شخصيات تتحكم بالبحر والعواصف، مثل إنيل الذي يُقدَّم بوصفه “إله الرعد”، ويضرب بالصواعق ويخضع البشر لقوته، وهو إسقاط مباشر لفكرة رايجين وفوجين القديمة، حيث تُمنح الشخصية قدرة إلهية شبه مطلقة، ويُصوَّر القتال والسلطة كرمز للهيبة والنجاح.

وفي Attack on Titan وTokyo Revengers يُصور العنف والانتقام والفوضى كأفعال بطولية، ويُقدَّم الخيال المستقل عن الوحي على أنه فن وإبداع، بينما القرآن يوضح أن القوة والسلطان بيد الله وحده: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.

وهكذا أصبح المسلم الغافل يطبع نفسه مع هذه الأفكار، يتلقاها على أنها ترفيه أو براعة فنية، دون أن يعرف أن مصدرها فلسفي خالٍ من أي هدى رباني، وأنها تنتج تطبيعًا للعري، والشذوذ، والعنف، باسم الإبهار والملحمية والجمال الفني.

وما يُسمى “خيالًا ممتعًا” هو في الواقع إعادة إنتاج لمعتقدات جاهلية، لكنها الآن تُلبس ثوب الفن البصري والنص المبهر، ليغدو مألوفًا في وعي الشباب.

والموقف الشرعي للمسلم الموحد واضح

الابتعاد عن هذه الثقافات الفاسدة واجب، والنأي بالنفس عن مجالسة أهل الكفر والشرك حين يخوضون في الباطل أمر لازم، قال الله تعالى فصلًا لا ريب فيه:

{﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140]}

فالواجب على المؤمن الموحد أن يحمي عقيدته وقلبه وروحه، ويزن كل ما يشاهده، ولا يذوب في الترفيه، ولا يسمح للفن أن يغرس الفجور والشذوذ أو يطبع العري في وعيه. الترفيه بلا وعي، والفن بلا معيار، هو ممرّ إلى الانحراف الأخلاقي والروحي، والوسيلة التي يُعاد بها إنتاج آثار الشرك القديم

فلينظر المسلم إلى كل ما يأتيه من الثقافات الوافدة والترفيه بعين التوحيد والتحميص، ويغلق الباب على أي أثر لشرك أو عبث أو تطبيع للمعاصي، ويثبت قلبه على أن الحق لله وحده، والاعتماد على الله وحده، والقدوة لله وحده، لا لقصص أو رسومات أو تقنيات بشرية، قال الله تعالى: {﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [النساء: 131]}

أيها المؤمن من خلال ما رأينا في تاريخ اليابان القديم

ومن آثار الشرك والوثنية على المجتمع المعاصر، أصبح واضحًا أن كل ما يُسوَّق اليوم باسم الأنمي، كل مشهد يحفل بالقوة الخارقة، كل حبكة تلهي بالعري والشذوذ والعنف والفوضى، ليس إلا تمجيدًا لثقافة خالية من الوحي، صادرة عن قلوب فارغة من الإيمان، ونفوس مبتلاة بالشرك والوثنية.

كل لحظة تتابع فيها هذه الأعمال، كل ابتسامة تجاه مشهد يلهي عن الله، هي خطوة نحو التطبيع مع الكفر، نحو التبلد الأخلاقي، نحو تسامح باطل مع ما حرمه الله.

فاتقوا الله عباد الله، واحذروا أن تطبع قلوبكم وعقولكم مع ضلال الآخرين، فإن الوعي بالتوحيد وحماية النفس من الانحراف واجب شرعي لا مساومة فيه. فافعلوا ذلك، وابتعدوا عن كل ما يسلبكم صواب الفطرة، ويحولكم إلى نسخ من ضلالات الجاهلية، القديمة والمعاصرة، والنجاة في ذلك لمن تمسك بهدى ربه.

للمزيد يُقرأ:

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة