جسر التوبة: بين بحر الظلمات وإناء الوضوء

|

جسر التوبة: بين بحر الظلمات وإناء الوضوء

بعد يوم طويلٍ مرهقٍ، توكأت برأسها على الجدار، مبتعدةً عن ضجيج الواقع..
وما إن أغمضت عينيها حتى سألتُها:
«ما بكِ؟»

أجابت: «لا شيء.»

«جلستُكِ لا تدلُّ على ذلك، كأنكِ كنتِ في حرب، اذهبي للنوم.» بحثتُ عن أي ثغرةٍ حتى أجعلها تفيض.

«أنتظر متى يُؤذَنُ لي أن أعودَ إليه، مرهقٌ البُعدُ عنه.. آآآه» -تنهيدةٌ غارقةٌـ «خانقٌ ومخيفٌ.. يضيقُ بي صدري ولا ينطلقُ لساني..»

«لم أفهم؟» سألتُها.

استرسلت قائلةً: «كنتُ أقفُ أمام بحر الظلمات.. منظره مُغرٍ، لكني ادَّعيتُ أن قلبي قويٌّ لا يتأثرُ، تمرُّ الأيامُ وأنا على ذات الوقفةِ لا أهتزُّ.
لكن في يومٍ، وعلى حينِ غفلةٍ مني، بلَّلتُ قدمي.. سارعتُ بتجفيفها،
وفي يومٍ كان الجوُّ حارًّا، فتذكَّرتُ برودةَ ذلك الماءِ، ودون تفكيرٍ في الأمرِ بلَّلتُ نفسي..
لا أدري كيف بلغ ماءُ البحرِ فاهي!»
تنهيدةٌ أخرى.. «قررتُ أن أعودَ، وما إن تقدَّمتُ حتى تعجَّبتُ! سبّاحةٌ ماهرةٌ يُعتمدُ عليها، وما لبثتُ أن وجدتُ الأمواجَ قد أعادتني إلى مكاني بل أعمقَ..
لكن، حقًّا، اشتقتُ لدفءِ الشمسِ في البرِّ، للنورِ.. لا أدري متى أقدرُ أن أعودَ؟»

«لم أفهم»

«أنت لن تفهمني.. لا أحد يفهمني.» قالت وتلألأتِ الدموعُ في عينيها…

«يا أمةَ الرحمنِ، عودي!»

«كيف أعودُ؟ بثيابي البالية، بالحجرةِ التي في قفصي، التي تُغرِقُني دائمًا بثقلها وقسوتها؟»

«عودي، أنتِ لستِ ذاهبةً إلى الملكِ أو على لقاءٍ مع الوزير..»

«أنا أدري.. هو أعظمُ من كلِّ ما ذكرتِ، سبحانه.»

«لا يلتفتُ إلى تلك التفاصيلِ ويصنِّفُ الناسَ على أساسها إلا ناقصٌ.. وهو كاملٌ مُنَزَّهٌ عن تلك الصفاتِ..»

«صدقتِ..»

«أزيدُكِ.. سيفرحُ إن عُدتِ، سيباهي ملائكتَه، ويومَ القيامةِ سيُظِلُّكِ في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، والكثيرَ الكثيرَ.»

«يااااه!!» -عدَّلتْ جلستَهاـ «لكنني أنا من يحتاجُه، أنا حقًّا فقيرةٌ إليه!»

قاطعتها: «ومع ذلك يُكرِمُكِ ويقبَلُكِ ويرحمُكِ ويُغدِقُ عليكِ خيراتِه من حيث لا تحتسبينَ..»
سرقتُ منها الكلامَ، كانت تبدو متعبةً.
«حسنًا، دعيني أزيدُكِ.. أنتِ الآن تريدين أن تعودي إليه، صحيح؟»

«صحيح»

«لو لم يُرِدْكِ هو أن تعودي.. ما كنتِ لتعودي! فهو القائلُ وقولُه الحقُّ: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة – ١١٨]»
بدأت تبكي مجددًا، لكن سرعان ما مسحت دموعها ونهضت..
«إلى أين؟»

«أنا عائدةٌ إليه..»
وبلَّلت نفسها مجددًا.. لكن هذه المرة من إناءِ الوضوءِ، كم هو باردٌ وعذبٌ!

للمزيد:
أجوبة عن أسئلة في الاستخارة، والتوبة، والإنجاز
أيعقل بعد التوبة أن أعود الحيية العفيفة، بعد أن أخطأت؟

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة