دجل باسم الطب والدين
في تاريخ الأمم، اعتدنا أن تُطلَّ الفتنُ برؤوسها من شقوق السياسة، أو صراعات الطوائف، أو نزاعات الأهل، لكن مصر تحب دومًا أن تكون متفردة، فوضعتنا اليوم أمام نوعٍ جديدٍ من الفتن، فتنة تغذية، لقد وقفتُ طويلاً أعصرُ ذهني عصرًا، محاولةً فكَّ شفرة هذا الارتماء الجماعي في أحضان دعوة “نظام الطيبات”، الذي أطلقه الدكتور “ضياء العوضي”؛ فكيف اقتنع الناسُ بخطابٍ ينكرُ الشمسَ في وضح النهار؟
نحن أمام مشهدٍ يجمع بين السرياليةِ والعبث؛ شخصٌ يقررُ بجرأةٍ صادمةٍ إنكارَ الطب والأدوية، يحرمُ الألبانَ والدجاج، ويدعي أن الأنسولين كذبةٌ كبرى، ثم يبلغُ ذروة التحدي ليرهنَ حياته لنظريته، فيدخنُ بشراهة، ويغرقُ في السكر، ويمتنعُ عن الماء، ليكون الموتُ بجلطةٍ هو النتيجة الطبيعية والفيزيائية لهذا الانتحار الاختياري، لكنَّ المأساة لم تنتهِ بموته، بل بدأت؛ حين قرر مريدوه أنَّ الجلطة ليست إلا عملية اغتيال لأنه كشف زيف شركات الأدوية!
إنَّ الحزن الكامن في هذا التأييد ليس مرده إلى الجهل فحسب، بل هو نعيٌ لثقةِ الناسِ في المؤسساتِ الطبية، لقد لعب العوضي بذكاءٍ على وتر المؤامرة، مستغلاً جراح الناس، وربما حتى ماض الطب المظلم، ففي الوقت الذي يتعامل فيه الكثير من الأطباء مع المرضى كأرقامٍ صماء في ملفاتٍ باردة، جاء هو بلهجةٍ واثقة، وخطابٍ عاطفي، يقدم حلولاً نهائية وسحرية، لقد اتبع الناس الثقة العمياء، حتى وهي تمشي بهم نحو الهاوية. ولأن تاريخ الطب مليء بتجارب أُجريت بلا رحمة، أجسادٌ عوملت كمواد، وأطباءٌ نسوا أن أمامهم إنسانًا، فتهمس هذه الذاكرة: «إنهم فعلوها من قبل، فلماذا لا يفعلونها الآن؟» وهكذا، تجد نظرية المؤامرة أرضًا خصبة، لا تُزرع في الجهل وحده، بل في الذاكرة المجروحة، والعجيب، أنَّ هذه الثقة لم تُبْنَ على أدبٍ أو رقة، بل على لغةٍ سوقيةٍ وفظاظةٍ في القول، لقد نجح في تحويل سوء الأدب إلى علامةٍ تجارية للأصالة، فأمن الناسُ لشتائمه ظناً منهم أنَّ ابن البلد العفوي لا يبيع الوهم بل يقول الحقيقة المرة، لقد كسر أسلوبه العنيف حاجز الهيبة الذي تخلقه المستشفيات، وخاطب الغرائز والمخاوف الكامنة من المجهول. لم يكن مهذّبًا، بل كان صادمًا، سوقيّ العبارة، حادّ النبرة لكن صوته وصل. لماذا؟ لأنه لم يخاطب العقول أولًا بل خاطب الجرح!

إننا لا ننكرُ أنَّ شركاتِ الأدوية رأسمالية وطماعة، تتاجرُ بالألم وترفعُ الأسعار، وهذه حقيقةٌ مُرة، لكنْ، شتانَ بين الجشع في الربح وبين اختراعِ مرضٍ من العدم. لكي تستقيم نظرية المؤامرة الكونية هذه، يجب أن يتواطأ ملايين الأطباء في الصين، وروسيا، وأمريكا، وجزيرة العرب، وأوروبا، يجب أن تتصالح دولٌ يملأ صراعها الأرض والدين، لتتفق فقط على كذبةٍ طبيةٍ واحدة! فهل يُعقلُ أن يكون كل أطباء الأرض، على اختلاف مشاربهم وأديانهم، متورطين في مؤامرةٍ لقتل شعوبهم؟!
إنَّ قضية الطيبات لم تكن صراعاً طبياً، بل كانت مرآةً كشفت لنا كم هو هشٌّ وعيُنا الجماعي، وكيف يمكن للعاطفة الجريحة أن تتبع أيَّ سرابٍ يعدها بالشفاء، حتى لو كان هذا السرابُ يحملُ في طياته رصاصةَ الرحمة، لقد خلطَ الدكتور “ضياء العوضي” قشوراً من المعلومات الصحيحة بأكوامٍ من التضليل؛ لينتجَ كارثةً سنرى تبعاتِها قريباً. وصدقوني، إنَّ شركاتِ الأدويةِ الجشعةَ هي أكبرُ المستفيدينَ من “نظام الطيبات”؛ لأنَّ هذا الخللَ الغذائيَّ سيُنتجُ لها جيوشاً من المرضى الجدد!
للمزيد:
“نظام الطيبات” بين الحقيقة والدجل
هراء العلاج بالطاقة (العلاج الوثني)










