تَهافُتُ المِعيار.. المعضلةُ الأخلاقيةُ في منظومةِ الإلحاد.
لطالما تساءلتُ عن الركيزةِ الأخلاقيةِ التي يستندُ إليها الشخصُ غيرُ المتدين. أعني، إنَّكَ لو سألتَ أيَّ شخصٍ ينتمي لدين، سواءٌ أكانَ سماويًا أم وضعيًا، اختلفتَ معه أم اتفقت، فسيخبرُكَ أنَّ ما يُرشدُهُ إلى الصوابِ والخطأِ هو هذه الشريعةُ الأعلى والأسمى منه؛ فهم يستمدونَ المبادئَ من دياناتِهم، وهناك مَرجعٌ يبنونَ عليه وجهةَ نظرِهم. لكنَّ الملحد –الشخصَ الذي لا يؤمنُ بأيِّ دين، أو إله، أو قيد– هو ما يُحيرني؛ ما هو مرجعُه؟ ومن أينَ يقررُ الصوابَ والخطأ؟ وهو نفسُهُ يؤمنُ أنَّ جميعَ الناسِ تتشاركُ في الأسبابِ والمبررات، وأنَّ ما هو خطأٌ عندَ غيرِهِ قد يكونُ صوابًا عنده.
وإذا كانت كلُّ الأخلاقِ نسبية، فلا يوجدُ سببٌ موضوعيٌّ لرفضِ الظلم، إلا أنَّ “الناسَ سيتضايقون”، وهذا معيارٌ ضعيفٌ جداً وهش.
فهلِ المعيارُ هو “الإنسانُ نفسُه”، أم “العقلُ البشري”، أم “المجتمع”؟
هنا تكمنُ المعضلة:
العقلُ يختلفُ من شخصٍ لآخر، والمجتمعُ يختلفُ من ثقافةٍ لأخرى.
إنَّ المتدين –أيّاً كان دينه– يجيبُ بسهولة: “أنا أحتكمُ إلى نصٍّ أعلى منّي”. قد نختلفُ حولَ صحةِ النص، أو فهمِه، أو تطبيقِه، لكن هناك مرجعًا فوقَ الإنسان، يحدُّ من أهوائه، ويكسرُ استبدادَهُ بنفسه.
أما الملحد… فهنا تبدأُ المتاهة.
حينَ يقول: “لا حقَّ مطلق، ولا باطلَ مطلق، كلُّ شيءٍ نسبي”، فهو –دون أن يشعر– يُنصّبُ نفسَهُ مشرّعاً كونيًا، ويُصدرُ حكمًا مطلقًا ينفي فيه وجودَ المطلق! وهذا ليس مجردَ تناقضٍ لغوي، بل هو انهيارٌ منطقي؛ لأنَّ عبارة: “كلُّ شيءٍ نسبي” لا يمكنُ أن تكونَ صحيحة… إلا إذا كانت هي نفسُها غيرَ نسبية! وإن كانت غيرَ نسبية، فقد انهدمَ الادعاءُ من أساسه.
ثم تأتي محاولاتُ الترقيع؛ يقولُ بعضُهم: “مرجعُنا هو العقل”. لكنَّ أيَّ عقلٍ نقصد؟
عقلُ القاتل؟ عقلُ الساديّ؟ عقلُ الذي يرى الأطفالَ عبئاً اقتصادياً؟ أم عقلُ الطغاةِ والسياسيين؟ عقل ترامب أم عقل بوتين؟
العقلُ أداةٌ لا معيار، هو سكينٌ حاد، يمكنُهُ أن يقطعَ خبزًا… أو يقطفَ رقبة.
ثم يقولُ آخر: “المجتمعُ هو الحَكَم”. لكنْ أيُّ مجتمع؟
المجتمعُ الذي شرَّعَ العبوديةَ لقرون؟ المجتمعُ الذي كان يدفنُ البنات؟ المجتمعُ الذي صفَّقَ للإباداتِ الجماعية؟ أمِ المجتمعُ الذي قدَّمَ النساءَ قرابينَ؟
إن كان المجتمعُ هو المعيار، فكلُّ جريمةٍ كبرى في التاريخِ كانتْ أخلاقيةً في زمانِها، وهنا تسقطُ فكرةُ الإدانةِ من أصلِها.
لماذا نرى الإبادة، والعبودية، ووأدَ البنات، والقرابينَ البشريةَ خطأً اليوم؟
إن كان الجواب: “لأننا تطوَّرنا”، فهذا يعني أنَّ الأخلاقَ تتغيرُ كما تتغيرُ الموضة. وما دامَ الأمرُ كذلك، فلا يملكُ أحدٌ حقَّ إدانةِ الماضي، ولا حتى الحاضرِ أو المستقبل. وبهذا، فلن يملكُ أحدٌ حقَّ إدانةِ النازيةِ أو الإبادةِ أو الاغتصاب، إلا بقدرِ ما “لا تعجبُه”، وليس كقاعدةٍ ملزمة؛ وهذا معيارٌ واهنٌ لا يصمدُ أمامَ القوة؛ فمَن يملكُ السلاحَ يملكُ الأخلاق، ومَن يربحُ المعركةَ يكتبُ الفضيلة.
ما معنى “حقوقُ الإنسان” إذن؟
هي مجردُ فكرةٍ لا معنى لها فلسفيًا دونَ الاعترافِ بأنَّ للإنسانِ قيمةً متجاوزةً للمادة. فإن كان الإنسانُ مجردَ ذرّاتٍ صماء، فما الفرقُ بينَ كسره وكسرِ حجر؟
بلا إيمانٍ ودين، يصبحُ العالَمُ بلا مرساة؛ أخلاقُهُ جميلةٌ في الظاهر، لكنها تطفو ولا تثبت. عالَمٌ يرفضُ الظلمَ لأنه “غيرُ مريح”، لا لأنه باطل. فإن قالَ إنه باطل، فأين دليله؟ ولماذا يكونُ قولُهُ هو الصحيح؟ بدونِ إيمان، يُصنَعُ عالَمٌ يُدينُ القتلَ اليوم… ويبررُهُ غداً.










