الإلحاد (3)

الإلحاد (3): بذرة الإيمان

الإيمان ليس أمرًا طارئًا أو إضافةً لاحقة إلى الإنسان. إنه يسبقنا. ليس شيئًا نلتقطه فقط من الخارج، بل بذرةٌ مزروعة في داخلنا.

أؤمن حقًا أن بذرة الإيمان موجودة في قلب كل إنسان. لكنها، كأي بذرة، قد تنمو أو تذبل تبعًا للبيئة، والتجارب، والمجتمع، والاختيارات التي يصنعها الإنسان. منذ الطفولة، ننظر إلى السماء لا بوصفها فراغًا، بل حضورًا. شيئًا أعظم منا، أوسع منا. قد لا نعرف اسمه في البداية، لكننا نشعر به. نحسّ بالاتصال.

ولهذا، حين يبلغ الخطر ذروته –وحين تسقط كل الأقنعة الثقافية، وكل الحجج الفلسفية، وحين يُجرَّد الإنسان من اللغة المتعلَّمة والجدل العقلي– ما يخرج هو الصرخة الخام:
“يا الله”

ليس لأن اللسان تعلّم نطقها، بل لأن القلب كان يعرفها سلفًا.

في لحظات الخوف الحقيقي، حتى أولئك الذين لا يؤمنون غالبًا ما ينادون الله. لا بدافع العادة، بل لأن شيئًا عميقًا في داخلهم يدرك أن هناك في الأعلى الواحد الأحد. يصف القرآن هذه الحقيقة الإنسانية بدقة شديدة، لا بوصفها وعظًا عاطفيًا، بل حقيقة نفسية:
حين يفقد الناس السيطرة تمامًا، تسقط كل البدائل، ولا يبقى إلا الله الأحد.

أما فقدان الإيمان، فلا أعتقد أنه يحدث فجأة. لا يستيقظ أحد صباحًا ويقرر:
“اليوم سأقتلع الإيمان من قلبي”

إنه يحدث تدريجيًا. كمن يبتعد عن حافة جبل –خطوة بعد خطوة، ثم يتراخى، ثم يطمئن للظلال، ثم ينسى النور. وحين لا يكون للإيمان مرساة، فإنه يطفو. وكل ما يطفو يمكن أن تجرفه أول شبهة قوية، أو أول جرح لم يُشفَ، أو أول شهوة.

الإنسان غير مُجبَر. ولو لم تكن هناك حرية اختيار، لما كانت الحياة اختبارًا أصلًا. حتى الشيطان، في الفهم الإسلامي، لا يدّعي يومًا أنه أجبر أحدًا.
هو يوسوس فقط. أما القرار، فيبقى دائمًا بيد الإنسان. كثير من الناس لا يرفضون الإيمان لأن الدليل غائب، بل لأن الإيمان ثقيل.

ثقيل لأنه يمنح الحياة غاية. لأنه يفرض معنى. لأنه يقول: أنت مسؤول عن أفعالك. ولست حرًا أن تفعل ما تشاء بلا حساب.

ولهذا، أحيانًا لا يهرب الناس من الله بل يهربون من فكرة أن للحياة عواقب. حتى الإيمان في الشريعة الإسلامية جاء تدريجيًا وبرفق.
لم يسحق الطبيعة البشرية، ولم ينكرها. بل تعامل معها بصبر ورحمة. وهذا وحده يكفيني لأوقن أن الدين لم يكن يومًا ضد الإنسان.

وخلاصة القول:
أؤمن أن الإنسان مخلوق للإيمان. والبذرة موجودة أصلًا. لكن الإيمان يحتاج إلى اختيار، وعناية، وثبات. قد يُدفن… وقد يُبعث من جديد.

ولهذا كانت دعاؤنا دائمًا:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾

وأملُنا معقود بأن الله لا يضيّع الإيمان الصادق –وأنه لطيف، رحيم بقلوب البشر.

للمزيد:
العزة بالإيمان لا بالأثمان!
سبيستون وترويج الإلحاد!

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة