الإلحاد (4)

الإلحاد (4): إيدولوجية الإلحاد

بينما لا نختلف على أن المال، والجشع يقود للحروب، لكن عندما يتحولُ الإلحادُ من مجردِ “موقفٍ نفسي أو فكريٍّ لفرد” إلى “فلسفةٍ ماديةٍ تتبناها سلطة”، فإنَّهُ يتحولُ فورًا إلى أيديولوجيا حَاكمة، والأيديولوجيا الماديةُ بطبعِها إقصائيةٌ لأنها لا تؤمنُ بوجودِ أيِّ مقدّسٍ خارجَ المادةِ والدولة.

في الاتحاد السوفيتي، لم يكنِ الإلحاد هناكَ خياراً فردياً، بل كانَ “إلحادًا دوليًا موجهاً” (State Atheism). تبنّتِ الماركسيةُ اللينينيةُ محاربةَ الدينِ بـ “قوةِ السلاحِ والعسكر”، وأُنشئتْ “رابطةُ الملاحدةِ المحاربين”، وهُدمتْ آلافُ المساجدِ والكنائس، وسِيقَ الملايينُ إلى معسكراتِ الإبادةِ في سيبيريا؛ ليس باسمِ الجشعِ الماليِّ الرأسمالي، بل باسمِ “تطهيرِ العقلِ البشريِّ من الخرافةِ الدينية” وتأسيسِ المجتمعِ الشيوعي المادي.

شهدت كمبوديا، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، إبادة نحو مليون شخص، بسبب نظام حكم الخمير الحمر. وقد قضى معظمهم بمراكز تعذيب وقتل جماعي وأعمال شاقة في الحقول. بقيادة “بول بوت” وغيره، طُبّقِ الإلحادُ الماديُّ المتطرف، وكانَ مجردُ إظهارِ أيِّ شعيرةٍ دينيةٍ كفيلًا بالإعدامِ الفوريّ، ممّا أدى إلى إبادةِ نحو ربعِ سكانِ البلاد في سنواتٍ قليلة.

لكن دعوني أحكي لكم عما تفعله الصين الآن بمسلمي الإيغور! معسكرات “إعادة التأهيل”: يتم فيها إجبار المسلمين على إعلان الإلحاد، وترك الصلاة، وتلقينهم الأناشيد الحزبية الشيوعية التي تمجد الحزب والدولة كبديل للمقدسات. تم نزع رحم أكثر من ربع مليون امرأة مسلمة! ناهيكم عن مزارع الأعضاء.

” تم مراجعة كل الحروب التي جرت بين الدول، بما في ذلك الحروب الأهلية والمذابح العرقية والجماعية وغير ذلك من الأحداث العنيفة التي تخطى عدد القتلى في الحدث الواحد منها 10,000 قتيل، وقراءة هذه الأحداث التي جرت منذ العام الأول الميلادي إلى العام 2008 الميلادي.

تم حصر 276 حدثاً عنيفًا ضخمًا خلال هذه الفترة الزمنية الكبيرة، ثم تصنيف ديانات العالم إلى 7 ديانات وحضارات رئيسية: الملاحدة، البوذية، المسيحية، الهندوس، الإسلامية، البدائية، والصينية. ووضع، كل حدث عنيف في الحضارة التابعة له، مع إحصاء عدد القتلى في كل حضارة. جاءت نتائج الدراسة بشكل مثير للاهتمام، حيث تصدرت الحضارة المسيحية كأكبر من تسبب في حصاد أرواح البشر، وتبعتها مباشرة في المركز الثاني حضارة الملحدين بحصاد للقتلى يفوق ال 100,000,000 قتيل، وقد يصل عدد الضحايا حسب تقديرات الدراسة إلى 150,000,000 قتيل! وهو ما يناقض تمامًا بروباجندا فردوس السلام الإلحادي الذي لا يتوقف عن اعتبار نفسه رسالة سامية جاءت لتنقذ الناس من عنف الأديان.” (مقتبس من مقال في الجزيرة)

إذن، الإلحاد يملكُ تاريخًا عسكريًا ودمويًا مرعب ززا، والمجازرُ التي ارتكبتْها الأنظمةُ الملحدةُ في القرنِ العشرين تكاد تتفوقُ أو تساوي عدد ضحايا الكثيرِ من الحروبِ الدينيةِ عبر التاريخ.

الإلحاد يقتبسُ الرحمة، والعدالة، وحماية البيئة، والرفق بالحيوان، من بقايا الفِطرةِ الإلهيةِ والثقافةِ الدينيةِ التي نشأَ فيها، ويُسميها “نزعة إنسانية” (Humanism)، لكنَّهُ في ذاتِ الوقتِ يتبنى نظامًا معرفيًا (الإلحاد المادي) ينفي وجودَ أيِّ قيمةٍ حقيقيةٍ للإنسانِ تُميّزهُ عن الحشرةِ أو الحجر!

لا أول أن كل ملحد يوافق على هذا، كما ليس كل مسيحي صليبي! ولا كل يهودي صهيوني! لكنني أعارض القول أن الإلحاد ليس إيدلوجيا، بينما هو إيدلوجيا، وتوجه، وقوة.

للمزيد:
سلسلة الرد على الشبهات | معضلة الشر (٤)

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة