الإلحاد (5)

تَشريحُ المادية.. الجذورُ المتوحشةُ لمنظومةِ الإلحاد

​دعونا ننظرْ إلى المنظومةِ الفلسفيةِ التأسيسيةِ للإلحاد؛ كونهُ قائمًا في جوهرِهِ الفلسفيِّ المعاصرِ على التطورِ الماديّ، فهو يمنحُ تبريرًا مبطنًا للاستعمارِ والإمبريالية. وبينما يدّعي بعضُهم أنَّ الأديانَ هي سببُ الحروب، فإنَّ المنظومةَ الماديةَ لا ترى حرجًا في تعذيبِ إنسانٍ لإنكارِ الإله. وبالطبع، تختلفُ ممارساتُ الأفرادِ الملحدينَ عن المنظومةِ الفلسفيةِ التي ينتمونَ إليها، تمامًا كما أنَّ المتدينينَ لا يتحلّونَ بالضرورةِ بما يأمرُهم به دينُهم.

​على سبيلِ المثال، يؤمنُ الإلحاد الماديُّ بنظريةِ التطور، والداروينيةُ التأسيسيةُ ترى المرأةَ كائنًا أدنى؛ ففي تلكَ المنظومةِ تُعاملُ المرأةُ على أنها حلقةٌ وسيطةٌ أقربُ إلى الأسلافِ المشتركة (القردة) مقارنةً بالرجلِ الذي تطورَ عقليًا وجسديًا بسببِ خوضِهِ صراعَ البقاء. هذه النظرةُ الماديةُ البحّتة تنزعُ القداسةَ والكرامةَ عن المرأةِ وتجعلُ دونيتَها “حتميةً بيولوجية”.

​وفي ذاتِ السياقِ الفلسفي، يشيرُ نيتشه إلى أنَّ أخلاقَ الرحمةِ والإحسانِ والصبرِ هي حيلةٌ ابتكرَها الضعفاءُ لكي يخدعوا بها الأقوياء، وليأخذوا منهم مكاسبَ ومنافع. بينما يخالفُهُ ماركس، إذ يرى أنَّ الأخلاقَ هي صناعةُ الأقوياءِ والمترفينَ لاستعبادِ الضعفاءِ والمعدومين.

​أما فرويد فهو الأسوأ؛ إذ ادّعى في أدبياتِهِ أنَّ الأطفالَ في عمرِ الستةِ أشهرٍ يملكونَ رغباتٍ جنسية، وزعمَ أنَّ علاماتِ النشوةِ عندَ الأطفالِ هي الشحوب، وفقدانُ الوعي، والتقيؤ، وهذا قائمٌ على تجاربَ أجراها على الأطفال! وإن صدقَ في حديثِهِ عن إجراءِ تلكَ التجاربِ فالمصيبةُ عظمى إذ انتهكَ أجسادَ الطفولة، وإن كذبَ فهو يحاولُ إيجادَ مبررٍ فلسفيٍّ لإيذائِهم. وفي كلتا الحالتين، فإنَّ هذه الرؤيةَ الماديةَ المتطرفةَ هي التي فتحتِ البابَ لتبريرِ أقذرِ الممارساتِ والانحرافاتِ ضدَّ الطفولة.

​بينما ذهبَ بعضُ علماءِ النفسِ التطورِيّ، ومن منظورٍ إلحاديٍّ ماديٍّ بحت، إلى أنَّ الاغتصابَ ليس جريمةً أخلاقيةً حقيقية، بل هو “تكيُّفٌ بيولوجيٌّ وتطوريّ” نشأَ مع الإنسانِ منذُ كانَ في الغابة، كوسيلةٍ تضمنُ للرجلِ نشرَ جيناتِهِ وتكاثرَهُ إذا لم يستطعِ الحصولَ على امرأةٍ بالطرقِ التقليدية!

​ولن ننسى أنه في المنظورِ الماديّ، يرى هؤلاءِ أنَّ أنثى الإنسان (المرأة)، بموجبِ غريزتِها الحيوانيةِ التطورية، مبرمجةٌ على البحثِ عن “الجيناتِ الأقوى والأجمل” (الرجل القوي، والوسيم، وذو السيادة) لضمانِ بقاءِ نسلِها. وبناءً على هذا المنطقِ المتوحش، يرى غُلاةُ علمِ النفسِ التطوريِّ الماديِّ أنَّ ممانعةَ المرأةِ أو صدمتَها النفسيةَ من الاعتداءِ قد تتأثرُ بيولوجيًا بـ “كفاءةِ جيناتِ المعتدي”؛ فإذا كانَ المعتدي قويًا، ووسيمًا، وناجحًا بمقاييسِ الطبيعة، فإنَّ المنظومةَ البيولوجيةَ التطوريةَ للمرأة –حسبَ زعمِهم الباطل– قد لا ترفضُ جيناتِهِ بنفسِ الحدّةِ النفسيةِ والجسديةِ التي ترفضُ بها رجلاً ضعيفًا أو مريضًا!

​وبينما يظلُّ بعضُ الناسِ يفعلونَ الخيرَ بدافعِ الفطرةِ والإنسانيةِ حتى لو لم يؤمنوا بوجودِ الله، فإنَّ البعضَ الآخرَ على استعدادٍ لارتكابِ كلِّ أنواعِ الجرائمِ إذا غابتِ العقوبةُ الدنيوية. وحينَ تسقطُ المرجعيةُ الإلهية، وتتحولُ الماديةُ لتصبحَ هي الإلهَ الجديد، يُصبحُ البشرُ والحيواناتُ مجردَ أرقامٍ وقطعِ غيارٍ في آلةِ الطبيعةِ الصماء.

​لذلك نعم، يوجدُ إلحاد في صورتِهِ الناعمةِ المعاصرةِ داخلَ المقاهي الثقافية، لكنه كمنظومةٍ ومؤسسةٍ فلسفيةٍ فهو متوحشٌ بصورةٍ كبيرة. الإلحادُ لم يحلَّ معضلةَ “الاستثناءِ الإنساني”، لذا فالإنسانُ في ظِلِّهِ مجردُ كوماتٍ من الذراتِ والكربون، وحيوانٌ متطورٌ برأسٍ كبير، خاضعٌ لقانونِ “الانتخابِ الطبيعي” والبقاءِ للأقوى.

​وبما أنَّ البقاءَ للأقوى، فلا بأسَ –وفقَ هذا المنطق– في إبادةِ الأضعف؛ فإذا كانَ الإنسانُ حيوانًا متطورًا والكونُ وُلِدَ صدفةً وينتهي إلى عدم، فبأيِّ منطقٍ إلحاديٍّ نُجرِّمُ الظلم؟ بموجبِ الفلسفةِ الإلحاديةِ المحضة، لا يوجدُ قانونٌ كونيٌّ يقولُ إنَّ “العدلَ خيرٌ من الظلم”؛ بل تُصبحُ الأخلاقُ مجردَ “اتفاقٍ بشريٍّ مؤقت” أو مشاعرَ بيولوجيةٍ تتغيرُ بتغيُّرِ المصالح. ومن هنا، شرعنتِ الفلسفاتُ الإلحادية (كالداروينيةِ الاجتماعية) إبادةَ الشعوبِ الضعيفةِ باعتبارِها “أعراقًا أدنى” يجبُ أن تُخليَ المكانَ للأعراقِ الأكثرِ تطورًا!

للمزيد:
حقوق المرأة ليست ما يمليه الغرب إنما الإسلام!
حرب المصطلحات: (٤) تمكين المرأة

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة