سرعة انقضاء الأعوام

|

سرعة انقضاء الأعوام
عامٌ يمضي وعامٌ يأتي… والعاقل من أصلح سيره إلى الله

ما أسرع انقضاء الأعوام! فما إن يفرح الناس ببداية عام، حتى يطويهم عام آخر، ثم آخر، حتى يجد الإنسان نفسه وقد قطع من عمره ما لم يكن يظن أنه سيقطعه. والأعجب أن الذي ينقص في الحقيقة ليس عدد الأيام، وإنما هو رصيد الإنسان من الحياة، فكل يوم يمضي لا يعود، وكل نفس يخرج لا يُسترد.

ولذلك لم يجعل الإسلام مرور الزمن مناسبةً للاحتفال، بل مناسبةً للمحاسبة. فالعمر رأس مال العبد، والليل والنهار يعملان فيه بلا توقف، حتى يسلماه إلى قبره، إما رابحًا وإما خاسرًا.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾.

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤمن ليس: كم مضى من عمري؟ وإنما:

  • ماذا قدَّمت فيما مضى من عمري؟
  • كم ختمةً للقرآن كانت سببًا في زيادة الإيمان؟
  • وكم سجدةً أُريق فيها دمع التوبة؟
  • وكم معصيةً تُركت خوفًا من الله؟
  • وكم مظلمةً رُدت إلى أهلها؟
  • وكم قلبًا أُدخل عليه السرور ابتغاء وجه الله؟

فليس العمر بطوله، وإنما ببركته، وليس النجاح بكثرة الإنجازات الدنيوية، وإنما بحسن الوقوف بين يدي الله يوم القيامة.

إن أعظم الخسارة أن تتغير الأرقام في التقويم، ولا يتغير القلب. وأن تمضي السنون، ويبقى العبد في المكان نفسه؛ الذنب هو الذنب، والغفلة هي الغفلة، والتسويف هو التسويف.

ولهذا كان السلف رحمهم الله يخافون من مرور الأيام أكثر مما يفرحون بها؛ لأنهم كانوا يرون في كل يوم جزءًا من أعمارهم قد رحل، ولن يعود أبدًا.

وليعلم المؤمن أن الله لم يفتح باب التوبة بوقت معين من السنة، بل جعله مفتوحًا ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وما لم تطلع الشمس من مغربها. فمن أخَّر توبته بحجة انتظار مناسبة، فقد خدعه الأمل، ومن بادر إلى ربه فقد فاز بأعظم الغنائم.

فإن كنت قد قصرت فيما مضى، فلا تجعل تقصير الأمس حجةً لتقصير اليوم، وإن كنت قد أحسنت، فلا تأمن مكر الله، واسأله الثبات حتى تلقاه. فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولا نجاة لعبد إلا بتوفيق الله ورحمته.

ولا تجعل بداية العام أمنياتٍ تُكتب، ثم تُنسى، بل اجعلها عهدًا جديدًا مع الله: أن يكون القرآن رفيقك، والصلاة أول اهتماماتك، والسنن أحب إليك من العادات، والتوبة رفيقة أيامك، والإخلاص ميزان أعمالك.

فما يدريك؟ لعل هذا العام هو آخر ما يُكتب لك في صحيفتك، ولعل هذه الأيام هي آخر فرصة يمنّ الله بها عليك قبل أن يقال: فلانٌ قد انقطع عمله.

سرعة

فطوبى لمن استدرك ما بقي، وأصلح ما مضى، وسار إلى الله بقلب منكسر، ونفسٍ تائبة، وعملٍ صالح، فإن الله لا يرد من أقبل إليه صادقًا، ولا يخيّب من وقف ببابه مستغفرًا.

[وقفة]
عامٌ مضى بسرعة بما فيه من أفراحٍ وأحزان، وطاعاتٍ وتقصير، ولن يعود أبدًا. وعامٌ جديد أقبل، لا نعلم هل نبلغ آخره أم نُكتب من الراحلين قبل تمامه. فاجعل أول ما تستقبل به أيامك تجديد التوحيد، وتصحيح النية، ولزوم السنة، وكثرة الاستغفار، وحسن الظن بالله مع صدق العمل.

فالعاقل ليس من أحصى عدد السنين التي عاشها، وإنما من جعل كل سنة تقرّبه من ربه أكثر، حتى إذا جاءه الموت، وجده على طريق الاستقامة، لا على طريق الأمنيات.

نسأل الله أن يجعل أعمارنا عامرةً بطاعته، وقلوبنا ثابتةً على توحيده، وأن يختم لنا بخير، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه، وهو راضٍ عنا.

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.

للمزيد:
حتى لا تبيع دينك بدنياك!
العمر قصير؛ فهل يكفينا الزاد؟
عام هجري جديد


النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة