“بِسر الوهاب وفاتحة الكتاب سيأتيك الرزق من كل باب!”

|

سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج6: “بِسر الوهاب وفاتحة الكتاب سيأتيك الرزق من كل باب!”

بسم الله الرحمن الرحيم
تحقيق عقدي عن هذا منشور:

وهاب

هذا النوع من المنشورات يجمع بين شيءٍ من الحق، وكثيرٍ من الباطل، ويعتمد على التأثير العاطفي والزخرفة أكثر من اعتماده على الوحي. وهو من الأمثلة المنتشرة التي تُلبِّس على الناس دينهم بإضفاء صبغة شرعية على ألفاظ وطقوس لا أصل لها.

  • أولًا: عبارة “بسر الوهّاب” لا أصل لها

لا تُعرف هذه العبارة في القرآن، ولا في السنة، ولا عن الصحابة، ولا عن أئمة الإسلام.

فالله سبحانه أمر عباده أن يدعوه بأسمائه الحسنى فقال:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].

ولم يأمرهم أن يبتدعوا صيغًا جديدة يربطونها بوعود مخصوصة كالرزق أو الفتح أو الغنى.

فالقول: “بسر الوهاب” على أنه مفتاح للرزق أو سببٌ لجلب الخيرات، دعوى تحتاج إلى دليل، ولا دليل.

  • ثانيًا: ربط سورة الفاتحة بجلب الرزق من كل باب

كتب في الصورة: “وفاتحة الكتاب سيأتيك الرزق من كل باب.”

وهذا من التقول على الله.

نعم، سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن، وثبت فضلها في السنة، وثبت أنها رقية بإذن الله، لكن لم يثبت قط أن من قرأها جاءه الرزق من كل باب.

قال النبي ﷺ:
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد.» متفق عليه.

وقال ﷺ:
«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.» رواه مسلم.

ولو كان للفاتحة هذا الفضل الخاص لسبقنا إليه رسول الله ﷺ وأصحابه.

  • ثالثًا: تخصيص أدعية بأغراض معينة دون دليل

في الصورة أدعية يُزعم أنها:

  • للرزق.
  • وللفتح.
  • ولتفريج الكرب.
  • ولجلب الخير.

والدعاء في نفسه عبادة عظيمة، لكن تخصيص دعاء بفضيلة معينة يحتاج إلى نص.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
الأذكار والدعوات من العبادات، والعبادات مبناها على التوقيف.

فلا يجوز أن يُقال:

  • هذا الدعاء يفتح الأبواب.
  • وهذا يجلب المال.
  • وهذا يقضي الحاجة.

إلا بدليل صحيح.

  • رابعًا: إدخال ألفاظ وطلاسم لا معنى لها

ورد في الصورة ألفاظ مثل: “كمهيعص، حم عسق”

وهذه ليست آية من القرآن.

بل هي خلطٌ بين الحروف المقطعة التي جاءت في أوائل بعض السور.

فالقرآن فيه:

  • كهيعص.
  • حم.
  • عسق.

أما جمعها بهذه الصورة واستعمالها داخل دعاء واحد فلم يأت به كتاب ولا سنة.
وهذا من جنس تصرفات أهل الشعوذة الذين يركبون الحروف لإيهام الناس بوجود أسرار خفية.

قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: 153].

  • خامسًا: تكرار اسم الله بطريقة مبتدعة

ورد في الصورة: يا وهاب… يا وهاب… يا وهاب…

وأسماء الله الحسنى يُدعى بها، لكن تخصيص عدد أو هيئة أو تكرار معين بقصد التأثير الغيبي يحتاج إلى دليل.

أما جعل الاسم وكأنه وردٌ له خاصية ذاتية في جلب الرزق، فهذا لا أصل له.

وقد قال ﷺ:
«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد.»

  • سادسًا: تحويل الأذكار إلى وصفات مجربة

من أخطر ما في هذه المنشورات أنها تجعل القرآن وكأنه:

  • وصفة للثراء.
  • مفتاحًا للمال.
  • برنامجًا لتحقيق الأمنيات.

بينما القرآن نزل أولًا:

هدى، ورحمة، وشفاء، ونور.

قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29].
ولم يقل: ليجربوا أسراره أو ليستخرجوا منه وصفات غيبية.

  • سابعًا: الرزق له أسباب شرعية معلومة

من أراد الرزق فالأسباب بينها الوحي، ومنها:

تقوى الله:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].

الاستغفار:
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ… وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: 10-12].

التوكل: قال ﷺ:
«لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير…» رواه أحمد والترمذي وصححه أهل العلم.

فهذه هي مفاتيح الرزق التي دل عليها الوحي، لا منشورات مجهولة المصدر.

إن أخطر ما في مثل هذه المنشورات أنها تُلبس الباطل ثوب القرآن، فتخلط بين الآيات والأدعية والأسماء والحروف المقطعة، ثم تربطها بوعودٍ غيبية لم يأذن بها الله.

ولو كان الخير في هذه الصيغ لسبقنا إليها رسول الله ﷺ، وصحابته، وهم أحرص الناس على الرزق، وأشدهم افتقارًا إلى ربهم، ومع ذلك لم ينقل عن أحد منهم أنه قال: “بشر الوهاب”، أو جمع الحروف المقطعة في دعاء، أو جعل الفاتحة سببًا مضمونًا لأن يأتي الرزق من كل باب.

فالواجب على المسلم أن يكتفي بما صح عن النبي ﷺ، فإن البركة كل البركة في الاتباع، والخير كل الخير في لزوم الكتاب والسنة، وأن يحذر من كل عبادة أو ذكر أو دعاء بُني على التجربة أو الذوق أو الإلهام دون برهان.

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111].

وهذا هو الميزان الذي يحفظ العقيدة من الدخيل، ويصون تعظيم القرآن من أن يتحول إلى وسيلة للتجارب والادعاءات التي لا دليل عليها.

للمزيد:
أسماء الله الحسنى
مجالس تدارس القرآن: الفاتحة

النشرة البريدية الأسبوعية (قريبا)

ستتصمن نشرتنا نصائح طبية وجمالية وتربوية وبعض الوصفات للمطبخ

نشرة البريد

مقالات مشابهة