سلسلة بحوث وتحقيقات عقدية في الرقى والدعاوى الروحية ج 22: رخصة الزنا ستة أشهر!
بسم الله
في كل فترة يخرج علينا من يقتطع حكمًا شرعيًا من سياقه، ثم يقدمه للناس في صورة صادمة، حتى يظن الجاهل أن الإسلام يشرع الفوضى، أو أن الشرع يفتح أبواب العبث بالعلاقات الزوجية. ومن أخطر ما يُتداول اليوم ما يسمى بـ “رخصة زنا ستة أشهر”، مع ربط ذلك بأحكام العدة والسكنى والنفقة، في محاولة لتشويه الشريعة وإثارة السخط عليها.
وهذا من أعظم الكذب على دين الله، لأن الأحكام الشرعية لا تُفهم بالقصاصات الإعلامية، ولا بالعناوين المثيرة، وإنما تُؤخذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، بفهم أهل العلم.

هل يوجد في الإسلام شيء يسمى “رخصة زنا”؟!!!
الجواب: لا، ولا يعرف هذا اللفظ في القرآن ولا في السنة ولا في كلام الفقهاء.
فالزنا من أكبر الكبائر، وقد سماه الله فاحشة وساء سبيلًا، فقال:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32).
لم يقل الله: اقتربوا منه مدة، أو أبيح لكم في ظرف معين، أو جعل له رخصة.
بل جاء الوعيد الشديد على أهله، ورتب الشرع العقوبات الزاجرة صيانةً للأعراض والأنساب.
فكيف يجرؤ أحد أن يسمي أحكام الشريعة التي شرعها الله بـ”رخصة زنا”؟!
إنها عبارة تجمع بين الجهل والافتراء على الله.
ما حقيقة عدة المطلقة؟
العدة ليست امتيازًا دنيويًا، ولا بابًا للتحايل، وإنما هي عبادة شرعية وحكم عظيمة، منها:
- حفظ الأنساب.
- التأكد من براءة الرحم.
- إعطاء فرصة للإصلاح والرجعة في الطلاق الرجعي.
- صيانة المرأة وعدم التسرع في الانتقال إلى زواج آخر.
قال تعالى:
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: 228).
وقال سبحانه:
﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (الطلاق: 1).
فتأمل قوله: “بيوتهن”، فأضاف البيوت إليهن مع أنها في الأصل بيت الزوج، تكريمًا لحقها زمن العدة.
لماذا تبقى المطلقة في بيت الزوج؟
هذه ليست مكافأة لها، وإنما لأن الطلاق الرجعي لم يقطع العلاقة الزوجية تمامًا.
فالمرأة في العدة لا تزال زوجة من بعض الوجوه، ويجوز للزوج أن يراجعها دون عقد جديد ما دامت في عدتها.
قال تعالى بعد ذكر أحكام العدة:
﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ (الطلاق: 1).
قال أهل التفسير: أي لعل الزوج يراجع زوجته وتعود الأسرة إلى الاجتماع.
فالإسلام هنا يحاول إنقاذ الأسرة، لا تشجيع الطلاق.
هل يجوز للمطلقة أن تتزوج أثناء العدة؟
هذا من أبطل ما يُشاع.
فالمرأة المعتدة يحرم عليها الزواج حتى تنقضي عدتها.
قال تعالى:
﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (البقرة: 235).
فالقرآن نفسه يمنع عقد الزواج قبل انتهاء العدة.
فكيف يدعي أحد أنها تتزوج وهي في بيت مطلقها؟!
ماذا عن النفقة والسكنى؟
إن وجدت قوانين في بعض البلدان تنظم النفقة أو السكن أو التعويضات، فهذه أنظمة قضائية تختلف من دولة لأخرى، ولا يجوز نسبتها إلى الإسلام إن خالفت أحكامه أو زادت عليها أو نقصت منها.
فالخلط بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية تضليل للناس.
ومن الظلم أن يُحمَّل الإسلام أخطاء البشر أو اجتهادات الأنظمة.
لماذا تنتشر مثل هذه المنشورات؟
لأنها تعتمد على ثلاثة أمور:
- إثارة العاطفة بدل بيان الحقيقة.
- اجتزاء الأحكام الشرعية من سياقها.
- تحميل الإسلام ما ليس منه.
ولو رجع الناس إلى القرآن والسنة وأقوال العلماء لانكشف زيف هذه الدعاوى في دقائق.
((كلمة حق ))
ليس أخطر على الأمة من أن يُتكلم في دين الله بلا علم، وأن تُشوَّه أحكامه بعناوين تثير الغضب وتزرع الشك في قلوب المسلمين.
إن أحكام الطلاق والعدة والنفقة شرعها الحكيم الخبير الذي يعلم ما يصلح عباده، فلا يجوز أن تُختزل في منشور مضلل أو عبارة مستفزة.
قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87).
وقال سبحانه:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (النساء: 65).
فليتق الله من ينشر مثل هذه العبارات، فإن الكلمة قد تهدم يقينًا، وتصد عن سبيل الله، ومن أعان على نشر الباطل كان له من وزره بقدر ما تسبب فيه.
دين الله أعظم من أن يُختزل في عنوان مثير، وأحكام الشريعة أعدل وأرحم وأحكم من أن تُحاكم بمنشورات مواقع التواصل.
للمزيد:
قانون الأسرة الوضعي أم شريعة الله الغراء؟
المساكنة وإحلال الزنا










