ما أشد فاقة القلوب إلى الذكر، وما أعظم غفلة الإنسان عن سر حياته! فليس القلب قطعةً من لحم ينبض في الصدر فحسب، وإنما هو موضع الإيمان، ومحل المعرفة، ومستودع المحبة والخوف والرجاء. فإذا امتلأ بذكر الله أشرق بنور اليقين، وإذا خلا منه أظلم، وإن كان صاحبه يرفل في ألوان النعيم.
ولذلك كانت أعظم مصيبة تصيب العبد ليست فقراً يلمُّ بماله، ولا مرضاً ينزل بجسده، ولا فقداً يحل بأهله، وإنما أن يحال بين قلبه وبين ربه، فيغدو غريباً عن ذكره، مستأنساً بالدنيا، مستوحشاً من الطاعة. وهل قسوة القلوب إلا ثمرة الغفلة؟ وهل الغفلة إلا بداية كل انحراف؟
قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾.
فلم يجعل الضنك أثراً للفقر، ولا لنقص الأسباب، وإنما للإعراض عن ذكره؛ لأن القلب إذا انقطع عن خالقه لم يجد في شيء من المخلوقات ما يسد فاقته، إذ لا يملأ فراغ القلب إلا من خلقه.
إن الله سبحانه خلق القلب ليكون عابداً، ذاكراً، منيباً، كما خلق العين لتبصر، والأذن لتسمع. فإذا عُطِّل القلب عن وظيفته التي خُلق لها عاش صاحبه في اضطراب لا يعرف له سبباً، وقلق لا يزيله مال، ولا منصب، ولا شهرة، ولا اجتماع الناس عليه؛ لأن الأرواح لا تسكن إلا إلى بارئها، ولا تطمئن إلا بذكر مولاها.
قال سبحانه:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
تأمل هذا الحصر البليغ؛ فلم يقل: تطمئن القلوب بالراحة، أو بالصحة، أو بسعة الرزق، وإنما قال: ﴿بذكر الله﴾؛ ليبين أن كل طمأنينة لا تنبع من هذا الأصل فهي عارضة تزول، وكل سكينة لا تستند إلى الإيمان فهي ظل سرعان ما ينقشع.
والذكر ليس كلمات تحفظها الألسن، ثم تغيب عنها القلوب؛ فإن اللسان قد يلهج بالتسبيح، والقلب هائم في أودية الدنيا. وإنما الذكر الحق أن يحضر القلب مع المذكور، فيستشعر عظمة ربه، وكماله، وإحسانه، فيثمر ذلك محبة صادقة، وخشية صادقة، وتعظيماً صادقاً، وافتقاراً لا ينقطع.
ولهذا كان الذكر أصل الأعمال كلها؛ فهو روح الصلاة، وسر الدعاء، وغاية تلاوة القرآن، وثمرة الطاعات. وما شُرعت العبادات إلا لتقيم ذكر الله في القلوب، قال تعالى:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على جميع أحواله، لا لأن قلبه محتاج إلى إصلاح، فهو أكمل الخلق، ولكن ليعلم أمته أن العبد كلما ازداد معرفة بربه ازداد افتقاراً إلى ذكره، وأن السير إلى الله لا ينقطع حتى تنقطع الأنفاس.
ومن أعجب أسرار الذكر أنه لا يبدل القضاء، ولكنه يبدل القلب الذي يستقبل القضاء؛ فينزل البلاء على قلب غافل فيورثه جزعاً واعتراضاً، وينزل على قلب عامر بالذكر فيورثه صبراً ورضاً ويقيناً. فالحدث واحد، ولكن القلوب تختلف بقدر قربها من الله.
ومن هنا كان الذكر حصناً من الشيطان؛ فإن الشيطان إنما يتسلط على القلوب الخاوية، أما القلب العامر بذكر الله فهو كالحصن المنيع، كلما أراد عدوه أن يدخله وجد أبوابه موصدة بذكر الله، واستعاذته، ومراقبته.
وليس أعظم خسارة على المؤمن من ساعة تمر عليه وقلبه غافل؛ فإن الدقائق التي لا يُذكر الله فيها لا تعود، والأنفاس إذا خرجت لم ترجع، والعاقل من جعل عمره رأس مال يتاجر به مع الله، يملؤه بالتسبيح، والتحميد، والتهليل، والاستغفار، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتلاوة القرآن، فإنها تجارة لا تبور.
وكان السلف رحمهم الله يخافون من الغفلة أكثر من خوفهم من كثير من البلايا؛ لأنهم علموا أن البلاء قد يقرب العبد من ربه، أما الغفلة فتباعده عنه. وكانوا يرون أن حقيقة الفقر ليست في قلة المال، وإنما في خلو القلب من ذكر الله، وأن حقيقة الغنى ليست في كثرة المقتنيات، وإنما في قلب امتلأ بمعرفة الله، فاستغنى به عما سواه.
فإذا أردت أن تعرف منزلة الذكر، فانظر إلى الجزاء الذي رتبه الله عليه؛ قال سبحانه:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
وأي كرامة أعظم من أن يذكرك رب السماوات والأرض؟ يذكرك برحمته، ويذكرك بعنايته، ويذكرك في الملأ الأعلى، ويهيئ لك من أسباب الخير ما لا يخطر لك على بال. فشتان بين عبد يذكر ربه، فيذكره ربه، وعبد أعرض عنه، فتركه إلى نفسه، ومن وُكِل إلى نفسه فقد هلك.
فيا من أثقلتك الهموم، وأرهقتك الفتن، وضاقت عليك السبل، لا تبحث عن حياة قلبك في أبواب الدنيا؛ فإنها لا تملك لك إلا متاعاً زائلاً. ولكن أقبل على ذكر الله، فإن فيه شفاء الصدور، وقوة الضعيف، وأنس الوحيد، وسكينة الخائف، وغنى الفقير، ونور البصيرة، وزاد السائر إلى ربه.
فالذكر ليس عبادة تؤدى فحسب، بل هو حياة تُعاش، وهو روح الإيمان، وعنوان العبودية، وغذاء الأرواح، وربيع القلوب. فمن عمر قلبه بذكر الله أحياه الله، ومن أعرض عنه عاش في الناس بجسد حي، وقلب ميت، ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾.
للمزيد:
الباقيات الصالحات










